حصاد الحصار.. المناطق المحاصرة في سوريا - It's Over 9000!

حصاد الحصار.. المناطق المحاصرة في سوريا

بلدي نيوز – سما مسعود

عمد نظام الأسد منذ بداية الثورة ضده إلى إيديولوجية أمنية مستمدة من الإرشادات العسكرية لحزب الله اللبناني، والتي تقضي بفصل كل منطقة ثائرة وعزلها عن العالم الخارجي كنوع من ترهيب المناطق الأخرى التي لديها استعداد للثورة ضده من جهة، ولتضخيم قدراته وإنجازاته في المناطق التي حاصرها من جهة ثانية.

بالمقابل خرجت أخبار تفيد بمحاصرة فصائل ثورية لبلدتي كفريا والفوعة المواليتين للنظام السوري في ريف إدلب، فقد أظهرت الفيديوهات التي خرجت خلال تاريخ ادعاء الحصار الحالة الصحية للمدنيين داخلها وهذا ما سوف نتناوله.

وفي هذا التقرير البحثي أسعى إلى تبيان الطرق التي عمد النظام السوري فيها لحصار الشعب الثائر ضده، وتوضيح المعايير التي يستخدمها لحصار مدينة دون أخرى.

من البداية: حزب الله يوجه الأسد

توافد في الشهر الأول من 2011م إلى مقر المخابرات الجوية في ريف دمشق – مطار المزة العسكري على أطراف مدينتي معضمية الشام وداريا- عناصر من حزب الله لم يتم الكشف عن أسمائهم ولا رتبهم، كانت وظيفة هذه العناصر تقديم إرشادات أمنية ومخابراتية من شأنها استمرار السيطرة الأمنية للمخابرات السورية والأفرع الأمنية على كافة مفاصل الحياة منعاً لحدوث أي مظاهر عصيان.

اجتمع جميل حسن مدير إدارة المخابرات الجوية ونائبه غسان اسماعيل مع ضباط حزب الله، وبحسب التسريبات التي خرجت حينها من الاجتماع فإن الخطة الأمنية التي وضعها حزب الله تقضي "بفصل المدن والأحياء الثائرة فصلاً كاملاً عن بعضها وعن العالم الخارجي، إضافة لقطع جميع وسائل التواصل بما فيها الهواتف والجوالات وخطوط الإنترنت" وجعل هذه المناطق تعيش عزلة كاملة ويكون النظام هو المصدر الرئيس للأخبار.

بداية الحصار

أول إرهصات الحصار كانت وضع حواجز عسكرية وأمنية على مداخل المدن الثائرة.

فقد نشر نظام الأسد في نيسان 2011 حواجز أمنية على مداخل ومخارج مدينة درعا –البلد والمحطة، فحوصر عشرات المطلوبين وذووهم داخل درعا.

كما كانت مهمة هذه الحواجز منع إدخال المواد الطبية والأطعمة بكميات كبيرة للمدينة مما أحدث فقداناً لبعض المواد الطبية والغذائية.

وعانت المدينة حينها من قطع كافة وسائل الاتصالات الأرضية والخليوية والإنترنت، فاعتمد أهالي درعا حينها على شركات الاتصال الأردنية التي كانت تغطي بعض مرتفعات داخل المدينة.

في شهر أيار 2011 حوصرت مدينة بانياس حصاراً مشابهاً لحصار مدينة درعا – حصار حواجز- تلتهما مدينة معضمية الشام بريف دمشق فدوما بريف دمشق أيضا فمدينة حماة، وأحياء مدينة حمص.

أزمة الحصار على الثورة والمحاصرين

استمر حصار الحواجز للمناطق الثائرة لغاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 كانت حينها قوات النظام تسمح بإدخال كميات قليلة من المواد الطبية والأطعمة ووفق ضوابط وتدقيق أمني.

اعتقل مئات الشبان والشابات واختفت عائلات بأكملها على هذه الحواجز التي كانت تعتبر صمام استمرار السيطرة الأمنية لنظام الأسد.

في بداية تشرين الثاني نوفمبر عمدت القيادة الأمنية لنظام الأسد إلى الخطوة الثانية التي كانت حينها بمباركة إيرانية وبمشاركة عناصر إيرانيين ضباطاً ومجندين.

فأغلقت جميع منافذ المدن الثائرة المؤثرة (درعا- أحياء حمص القديمة- معضمية الشام – داريا – دوما) تلتها بعد شهور مدن (جنوب دمشق- الحولة- الرستن – تلبيسة) وفصلت بشكل كامل عن المحيط، بينما ظلت بقية المدن الثائرة خاضعة لـ - حصار الحواجز-.
تجار الحروب: أيقن النظام أن الثورة الشعبية قد أغرقته ولن يسيطر بالقوة العسكرية على المدن الثائرة التي باتت أسماؤها تشكل ثقلاً في الثورة السورية.

فعمد إلى بث تجار الحروب الذين كانوا يتلقون المواد من النظام عبر طرق خاصة ويبيعوها للمحاصرين بأضعاف سعرها.

أدى وجود تجار الحروب لاستنزاف مالي للمحاصرين الذين باتوا يعتمدون على المبادلة في عقود البيع والشراء كحل بديل مؤقت، واغتنت فئة – تجار الحروب الذين أوجدهم النظام - والتي كانت تعتبر قبل الثورة – في أسفل السلم التعليمي والأخلاقي والاجتماعي- وباتوا مؤثرين في المجتمع بحكم سيطرتهم المالية، وعن طريقهم سهل نظام الأسد دخول الدخان والمخدرات والكحول إلى المناطق المحاصرة وترويجها بين ضعاف النفوس.
معركة الأمعاء الخاوية في السجن الكبير: باتت المناطق المحاصرة أشبه بسجن كبير استخدم نظام الأسد فيها التجويع كخطوة لكسر إرادة الحاضنة الشعبية للثورة، واستغل السعي الفطري للبشر نحو الحياة ففتح عبر عملائه طرقاً للتواصل مع أكثر المحاصرين ضعفاً، وقدم لهم تسهيلات الخروج مقابل تسليم السلاح، وأحياناً مقابل مبالغ مالية باهظة، وفي كلتا الحالتين كان المحاصر الراغب بالخروج من سجن الحصار الكبير يخضع لعملية تحقيق في فروع المخابرات.

العديد من أولئك الأشخاص ماتوا - بعد أن سَلّموا مخابرات النظام وأفرعه الأمنية السلاح والمال والمعلومات - أو اختفوا.

الدكتور أحمد العكش من معضمية الشام دفع مبلغاً ليس بالقليل بحسب ما قاله أحد ناشطي المدينة واختفى دون أن يُعرف عنه شيء.

العديد من الشبان كانوا يودون الخروج من هذا الحصار المقيت، لكنهم رفضوا الخروج عبر النظام فقاموا بمغامرات كانت النهاية فيها غير مضمونة.

أحمد شاب من ريف دمشق خرج من مدينته المحاصرة أثناء هبوب عاصفة ثلجية حجبت الرؤية عن القناص، يقول أحمد: "لقد مشيت أنا وأصدقائي مقابل القناص لم يفصل بيننا سوى أمتار قليلة كنا نعرف تفاصيل المكان جيداً وحجبت الرياح والعواصف الثلجية الرؤية، لم يرنا القناص ولم يكن بوسعنا أن نرى بعضنا البعض"

وشرح أحمد رحلة هروبه: "كنت أسمع صوت الأخشاب تحترق في المجمر عند نقطة القنص، رغم الهواء كان الشرار يتطاير ويصل إلينا، بحلول النهار اضطررنا لنسلك أبشع الطرق؛ لقد نزلنا بمجاري المياه وكانت حينها أكثر من متجمدة، مشينا ساعات بجانب الدشم والقناصات، سمعنا صوت وشتائم قوات الأمن؛ لكننا في النهاية وصلنا نحن وأسلحتنا إلى خارج السجن الكبير".

نجح أحمد وزملاؤه، في حين تقول رنا:"لقد استشهد زوجي على ذات الطريق، لا أعرف كيف تمكنوا من رؤيته بالرغم من العواصف".

وتابعت: "لقد ظلت جثته على الرصيف أياماً حتى سطعت الشمس ووصلتني فيديوهات رأيت فيها زوجي ممدداً والطير يأكل من جثته".
القتل جوعاً: قبل أن يكمل الحصار المطبق عامه الأول بدأت علامات الوهن وسوء التغذية والمرض تظهر على المحاصرين، وما لبث الوضع أن تفاقم سوءً.

سجلت مدينة معضمية الشام بريف دمشق وفاة أكثر من 20 شخصاً بسبب الجوع غالبيتهم من الأطفال والبعض منهم في عمر الشباب وعجائز قضوا وسط انعدام مقوامات الحياة الأساسية من طعام وعلاج.

وفي جنوب العاصمة دمشق اضطر الناس لأكل لحم القطط بعد نفاد الطعام لديهم وعدم وجود مساحات فارغة للزراعة.

أكثر من قضى في مخيم اليرموك والأحياء المجاورة له قضى قنصاً، فقلة الطعام والجوع دفع بالعديد إلى المخاطرة للحصول على لقيمات أو كسرة خبز، واعتاد الأطفال على البحث في التراب أو حتى مكبات القمامة القديمة عن كسرات خبز عفنة لم تأكلها الطيور بعد.

هناء أم لطفلين فقدت زوجها أثناء المعارك، شهدت أياماً قاسية حيث قضت شهر رمضان 2013 كله معتمدة هي وطفليها على علبة دبس بندورة والقليل من دبس الرمان، وتقول هناء: "لقد أرغمت طفليَّ ولم يتجاوز الكبير 7 سنوات بعد، على الصيام ريثما أتدبر أموري".

وسيتذكر الطفل –سامر- طوال حياته أنه ولد يوم ماتت أمه، فقد أمه بعد ولادته بساعات رغم أنها كانت بحالة صحية جيدة، إلا أن نزيفاً شديداً أصابها فجأة ومع الحصار الخانق الذي يعاني منه مخيم اليرموك ومنع قوات النظام إدخال المواد الطبية توفيت الأم في حين أن حالتها طبياً يمكن معالجتها بيسر في مشافي العاصمة التي لا تبعد سوى دقائق.

وبث الناشط رامي السيد فيديوهات لأطفال يجمعون كسيرات الخبز من بين الأتربة ويقتاتون عليها.

آخر المدن المحاصرة كانت مضايا التي سجلت أعلى معدل وفيات بسبب الجوع -50 شخصاً استشهدوا في مضايا جوعاً- ولا توجد إحصائية دقيقة لعدد من قضى جوعاً ومن قضى تحت تأثير انتشار المرض والأوبئة لكن مضايا بلغت حداً من الحصار جعل منها الحدث الأكثر ضغطاً على حكومة الأسد، حيث دخلت الأمم المتحدة على المدينة بعد سلسلة اجتماعات ومفاوضات مع النظام إذ لم تنجح الهدن مع الثوار من جهة وأراد النظام من خلالها أن يقوي ظهره في كفريا والفوعة.

ظهر في مضايا وللمرة الأولى مرض جديد لم يسجل في المدينة مسبقاً وهو مرض الكواشيكور.

في ريف دمشق الشرقي الوضع أفضل حالاً فاتساع الرقعة الجغرافية ووفرة المياه واعتماد الناس أصلاً على الزراعة ساعد في استمرار الصمود وخفف من وطأة الحصار.

في حمص لم تسجل أي من مناطق حمص حالات موت جوعاً بالرغم من انتشار أعراض الوهن وسوء التغذية، وذلك لوجود مساحة كافية للزراعة وتوافر المياه الجوفية النقية من جهة، ومن جهة ثانية استطاع نظام الأسد أن يرغم ثوار الوعر -المنطقة الأكثر ضعفاً بين مناطق حمص المحاصرة- على التهدئة ومن ثم تفريغ المدينة.

لكن الحصار لم ينتهِ حيث يعاني المدنيون الباقون في الحي وعددهم بحسب الإحصائيات 100 ألف، من حصار شديد يهدد حياة آلاف الأطفال جراء انعدام مادة حليب الأطفال، والذي لم تدخل منه سوى كمية قليلة من خلال مساعدات الأمم المتحدة، حيث يستبدلها الأهالي باستخدام منقوع الأرز المغلي كبديل عن الحليب.

وتمنع حواجز النظام دخول أي مساعدات طبية للحي، وسجل ناشطون وفاة طفل أواخر شهر آذار في حي الوعر، نتيجة منع حواجز النظام إسعافه خارج الحي، بعد سقوطه من سطح أحد المباني، وقال مشفى حي الوعر بأنه بات يستخدم قطع القماش بعد غليها وتعقيمها كضماد للجروح وفي العمليات.

رغم الوعود الكثيرة التي قدمتها خولة مطر رئيسة المكتب السياسي للمبعوث الدولي الخاص لسوريا ستيفان دي مستورا، برفع الحصار عن حي الوعر الحمصي ورغم محاولات الضغط المتكررة التي قامت بها الأمم المتحدة على النظام السوري لإنهاء الحصار، إلا أن الوضع الإنساني لأهالي حي الوعر ما زال في تدهور مستمر، فما زالت قوات النظام السوري تمنع دخول كل شيء وأي شيء من شأنه أن يساعد على الحياة للحي المحاصر .

وبذلك أصبحت المدن المحاصرة تعاني من ثلاثية الرعب القاتل "القتل، الجوع، المرض".
الحصار طريق الهدن: أنهك الموت جوعاً والقنص والمرض المحاصرين، فبعد سنة ونصف كانت مدن "معضمية الشام والوعر وجنوب العاصمة" قد دفعت للموافقة على هدنة مؤقتة مع النظام، وكان رفع علم النظام بدل علم الثورة شرطاً لدخول الطعام.

وبقيت مضايا ومدن وبلدات ريف دمشق الشرقي ومدن ريف حمص الشمالي خارج مسألة الهدن مؤقتاً.

ومثل رفع علم نظام الأسد فوق المناطق المحررة مقابل الطعام انتكاسة كبيرة لمكتسبات الثورة السابقة ومجرياتها لحالية.

لكنها وفق ما قاله أحد قادة معضية الشام: "خرقة بالية رفعت بموافقتنا وتزول بموافقتنا، إنه جهاد الكلمة".

لم يحصل النظام على مراميه من خلال فرض الهدن، فالأعلام التي رفعت ما لبثت أن أنزلت واغلقت جبهات وفتحت جبهات أخرى، لكن الحصار أصبح أخف وطأة مع دخول كميات قليلة من الطعام والأدوية وخروج آلاف القصص الإنسانية من المدن المنكوبة.

حيث أدت الهدن التي أبرمها النظام مفعولاً عكسياً عليه، وأبرزت عجز النظام عن حل الأمور لصالحه عسكرياً، بالرغم من استخدامه لشتى أنواع السلاح بما فيها السلاح الكيماوي، وسط صمت عالمي.

كم أنها معيار على فشله سياسياً في كسب الوقت والدعم الكبير الذي لقيه من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة للثقل الإيراني في المسألة السورية.

ويرى الباحث السوري عمر كوش أن الهدن "تأتي بعد حرب تجويع يقوم بها النظام السوري ضد مناطق بعينها، ولا سيما في دمشق وريفها وحمص، بوصفها مناطق ضرورية، تدخل في إطار ما يسعى النظام إليه كخيار إرادي، يسميه "سوريا المفيدة"، التي تشمل العاصمة ومحيطها وصولاً إلى الحدود اللبنانية، وحمص والشريط الساحلي".

فهي ضمن خطة إيرانية لتغيير الديموغرافية السورية، والهدن برأيه "الهدن التي يعقدها النظام مع مقاتلي المعارضة تعود إلى أكثر من عامين، وفق مخطط مدروس من قبل النظام وحلفائه، يركز على العاصمة دمشق ومحيطها ومدينة حمص وبعض مناطق حماة المجاورة للشريط الساحلي".
كفريا والفوعة: ادعى نظام الأسد أن الثوار يحاصرون بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين والمواليتين له في ريف إدلب الغربي.

وبث فيديوهات لتأييد كلامه بصور حية، لكن الفيديوهات التي تم بثها لم تثبت حصول أي مجاعة، كما أن الهيئات الإنسانية الدولية لم تسجل حالة وفاة واحدة داخل المدينتين ولا حالة مرض ووباء جديدة.

العديد من الشهادات التي كانت تخرج بين الفينة والأخرى من داخل المدينة أو من القائمين على أمر – فك الحصار عنها- كانت تشير إلى عمليات إنزال جوي للطعام والشراب وحتى البشر عبر طائرات النظام.

فالمدينتان لم تتعرضا للحصار، لكن النظام استخدمهما كورقة ضغط على الجهود الدولية الرامية لفك الحصار عن المدن التي يحاصرها من جهة ومن جهة ثانية كان يريد أن يكسب رأي مؤيديه ويكسب نصراً مجانياً.

ويرى الباحث عمر كوش أن إقحام كفريا والفوعة في مسألة الحصار والهدن لاحقاً يندرج تحت مخطط سوريا المفيدة، حيث كانت كفريا والفوعة دائما مقابل مدن دمشق المحاصرة في إطار مشروع الهندسة الإجتماعية التي ينتهجها النظام والتي تقضي بتفريغ الطوق الامني المحيط بدمشق وحمص من المحتوى السني واستبدالهم بالمكون الشيعي الموالي له حتى لو من غير السوريين.

وتشير الدراسات إلى أن الأسد استقدم شيعة إيرانيين وأفغان ووطنهم في حلب ودرعا والسويداء، ناهيك عن عشرات المشاريع التي قام بها رامي مخلوف في حيي القابون وبرزة الدمشقيين وهي شبيه بالوحدات الإستيطانية.

وأخيراً برز الأسد ليسحب الجنسية عن آلاف السوريين الفارين من الحرب ويمنحها لآلاف المرتزقة الذين جلبهم من أصقاع الأرض.

قرارت الأمم المتحدة:

وصف مجلس الأمن سياسية التجويع التي ينتهجها النظام السوري بـ "التكتيك الوحشي"، وبحسب إحصائية نشرتها الأمم المتحدة فإن 4،6 مليون سوري هم محاصرون داخل مناطق يصعب الوصول إليها.

أصدر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2139 الخاص بإيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا بعد موافقة كامل أعضائه الخمسة عشر، ونحو شهرين من المداولات داخل أروقة الأمم المتحدة حول مشروع القرار الذي تقدمت به الأردن ولوكسمبرغ وأستراليا.

وحمّل القرار السلطات السورية مسؤولية انتهاكات واسعة النطـاق لحقوق الإنـسان والقـانون الإنـساني الدولي، وضمان سـلامة وأمـن موظفي الأمم المتحدة، وتيسير دخول المساعدات، إلا أنه لم يحمل أي إشارة إلى عقوبات في حال عدم التنفيذ أو حتى تلويح بها.

واعتبرت الأمم المتحدة الحصار "جريمة حرب" وطالبت بوقفه مباشرة، جاء ذلك على لسان النائب الأول للأمين  العام للأمم المتحدة يان إلياسون.

وقدمت منظمة الصحة العالمية إلى النظام السوري عدة طلبات لإدخال مواد إغاثية إلى المناطق المحاصرة لكنه لم يستجب، حيث قالت ممثلة المنظمة في سوريا اليزابيث هوف: " في عام 2015 قدمت منظمة الصحة العالمية 102 طلب، فتمت الموافقة على 30 منها، فيما لم يصلنا رد حول الـ72 الباقية".

من جهتها المعارضة السياسية السورية المتمثلة بوفد التفاوض برئاسة رياض حجاب استخدمت فك الحصار عن المناطق المحاصرة كشرط لمشاركتها في اجتماعات جنيف، وكانت تتلقى وعوداً خطية، كما صرح سالم المطلق الناطق باسمها عدة مرات بتلبية مطالبها ثم تخذل، حيث عمدت أميركا كما يرى محللون إلى تركيع المعارضة السورية عبر التأجيل المتسمر لمطلبها الأساسي: فك الحصار والإفراج عن المعتقلين.

خطوات إنسانية لتخفيف ألم الحصار

سعت شخصيات عديدة لفك الحصار عن المحاصرين بريف دمشق وحمص، بدأت بريف دمشق في مدينة معضمية الشام إبان إبرام التهدئة مع نظام الأسد.

خرج مئات المدنيين بينهم نساء وعجائز وأطفال وقليل من الشبان، وضمنت راهبة مسيحية سلامة الخارجين من المدينة، تعرض الخارجون للتفتيش الدقيق وأوقف بعضهم في فرع المخابرات الجوية حيث خضع للتحقيق والتعذيب، اختفى عشرات الشبان وحتى اللحظة بقي مصيرهم مجهولاً.

وفي الثاني من نيسان /إبريل 2016 باشرت الأمم المتحدة الأربعاء تنفيذ خطة لإجلاء 500 شخص، معظمهم مصابون، من أربع مدن تحاصرها قوات النظام  أو "مقاتلو المعارضة" على حد تعبير الأمم المتحدة، وغادرت حافلة أولى تقل 15 من الثوار أحدهم مصاب، وعشرة مسنين، مدينة الزبداني.

كما تم إجلاء 225 شخصا آخرين من مدينة مضايا المحررة والمجاورة للزبداني، وخضع الخارجون من مضايا والزبداني لفحص أجراه فريق طبي من الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري أثناء خروجهم من المدينة.

وذلك تزامناً مع نقل جرحى بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة من مدينتي كفريا والفوعة، حيث خرجت حافلة من المدينة واتجهت نحو حماة ودمشق.

الخطوة الأممية الأخيرة في محاولة لفك الحصار

وكانت الأمم المتحدة حددت الأول من حزيران/يونيو الجاري موعداً لبدء عمليات الإنزال الجوي للمساعدات الإنسانية على المناطق المحاصرة والتي بلغت 19 منطقة بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة.

وسبق هذا القرار عمليات إنزال لمساعدات جوية فوق دير الزور المحاصرة من تنظيم الدولة ونظام الأسد على حد سواء، لكنها وفق ناشطي المدينة وقعت في يد عناصر النظام الذين قاموا ببيعها للسكان المحليين.

وفي بداية حزيران الموعد المحدد لعمليات الإنزال الجوي المقررة، قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، إن إسقاط مساعدات إنسانية جواً في سوريا يعتبر عملية في غاية التعقيد وتستلزم موافقة السلطات الرسمية السورية.

وأشار في مؤتمر صحفي إلى أنه من المفضل استخدام وسائل نقل برية لإيصال المساعدات الإنسانية، لكن إسقاطها جوا يغدو أسلوبا لا مفر منه في حال عدم توفر إمكانيات أخرى.

وقالت بثينة شعبان مستشارة الأسد قالت بأن هذه الخطوة يجب أن تكن بموافقة النظام السوري وبتنسيق بينه وبين الأمم المتحدة.

من جهتها الولايات المتحدة الأميركية وعلى لسان الناطق باسم خارجيتها جون كيربي رحبت بإلقاء المساعدات جواً على بلدتي داريا والمعضمية بريف دمشق، وأشار أن المساعدات البرية لا تلبي احتياجات مئات الآلاف من المحاصرين.

في النهاية:

بدأ حزب الله اللبناني وبإيعاز إيراني بإمداد حكومة الأسد بالأساليب الوقائية ومن ثم العلاجية لمرض العصيان والتمرد الذي انتشر بين الشعب بعد أربعين عاماً من القهر والكبت والتعذيب.

وتدخلت إيران في رسم المعالم الأساسية في عملية استراجع زمام السيطرة بعد أن فشلت بتحريك حزب الله والأسد.

وبقيت روسيا المحرك الخفي واضطرت في النهاية لوضع مخطط سوريا المفيدة علناً بعد أن خرج المعلم وزير خارجية الأسد عن النص الروسي، بينما بقي الجميع (الإيرانيون وحزب الله والأسد) بيادق بيد الروس.

والملاحظ أن الإيرانيين والنظام لجؤوا إلى ما يمكن تسميته "هندسة اجتماعية"، تنهض على نهج يعتمد التغيير الديموغرافي، ويفرض من خلال شن حرب شاملة، بالتزامن مع الحصار والتجويع والقصف والترهيب، وبعد إنهاك المناطق المستهدفة يجري عقد هدن، تفضي إلى ترحيل سكانها، واستبدالهم بآخرين، إيرانيين أو من حزب الله والمليشيات العراقية، أو آخرين من شمال سوريا، ويعولون على أن يتحول المستوطنون الجدد إلى جزء من كتلة طائفية متراصة، بحسب ما أشار عمر كوش.

بينما كانت أميركا تستخدم روسيا وإيران لتحقيق ما تريده في سوريا وكانت روسيا وإيران والنظام السوري أيضاً مدركون لهذه الحقيقة ويتصرفون بناء عليها.

مقالات ذات صلة

معبر "باب الهوى" مغلق أمام المسافرين والمرضى

فورين بوليسي: "خطة خطيرة" ينفذها بوتين لصالح الأسد

السلطات التركية توقف 40 سوريا عبروا الحدود بطريقة غير شرعية

أردوغان وبوتين يبحثان عبر الهاتف التطورات في سوريا

ألمانيا.. إلقاء القبض على سوريين للاشتباه بمشاركتهما بإعدام عسكري للنظام

إيران تعلق على الاتفاق العسكري الأخير مع نظام الأسد