اقتراب معركة جنوب طريق الـ "m4".. مؤشراتها واتجاهاتها وآفاقها - It's Over 9000!

اقتراب معركة جنوب طريق الـ "m4".. مؤشراتها واتجاهاتها وآفاقها

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

مقدمة

حاولت روسيا ولا تزال فرض إرادتها بالقوة في منطقة خفض التصعيد الرابعة، بوصفها المشرف على تنفيذ اتفاق موسكو، حيث قادت مع نظام الأسد حملة عسكرية سيطرت من خلالها على مدينتي معرة النعمان وسراقب الواقعتين على طريق الـ "m5"، وبادرت قبل ذلك إلى تمكين الميليشيات الإيرانية من احتلال كامل ريف حلب الجنوبي. 

يترافق ذلك مع استمرار ميليشيات إيران والأسد خرق الهدنة التي توصّل إليها الرئيسان التركي والروسي، يوم الخامس من شهر مارس/آذار الماضي، من خلال القصف المدفعي ومحاولات التسلل لمواقع الفصائل الثورية بشكل شبه يومي.

لكن "اتفاق موسكو" الهش بطبيعته، واجه تحديات عملية كبيرة، كشفت عن عدم جديّة روسيا في تنفيذه، ومحاولتها من خلال فترة "التهدئة" استغلال الوقت لتقوية المركز العسكري والأمني لميليشيات إيران والأسد على مدن وبلدات طريق الـ "M5"، واستكمال بناء الهياكل الأساسية للميليشيات المحلية التابعة لها (الفرقة 25والفيلق الخامس)، مع سعيها المتواصل لانتهاز ما قد تفرزه أي تحولات مستقبلية من فرص تمكنها إعلان معركة سهل الغاب وجبل الزاوية، ووضع الجميع أمام أمر واقع كما فعلت سابقاً. 

تجسد ذلك بموجة نزوح جديدة من منطقة جنوب طريق "m4" نتيجة استمرار ميليشيات إيران ونظام الأسد في خرق الهدنة المفترضة هناك، وكانت التفاهمات التي رافقت اتفاق موسكو، قد أفضت إلى إنشاء ممر للمساعدات على الطريق "m4" بإشراف وزارتي الدفاع التركية والروسية، وتسيير دوريات مشتركة على ذات الطريق السريع الذي يشكل محورا استراتيجيا يعبر منطقة إدلب. 

مؤشرات المعركة

لم تفلح المساعي التركية في إقناع روسيا، أو هكذا يبدو المشهد، في اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ اتفاق موسكو، وربما كان ذلك باعثاً للإيعاز بالتصعيد العسكري تجاه تعنت الحلف الروسي، وإعلانه اللجوء إلى خيار القوة، للدخول إلى منطقة جنوب طريق"m4"؛ حيث بدأت الميليشيات الإيرانية بالتحشد في المنطقة الواصلة بين مدينة معرة النعمان مرورا بسراقب وصولا إلى منطقة الفوج 46 في ريف حلب الغربي، وأجرت بعض التمرينات التكتيكية بمشاركة عدد من الوحدات العسكرية التابعة لنظام الأسد. 

فضلاً عن نشاط الطيران الروسي اللافت للانتباه، كمؤشر لاقتراب المعركة، حيث سُجّلت يوم الثلاثاء الماضي أول غارة جوية روسية منذ سريان "اتفاق موسكو" في منطقة إدلب 5 آذار/مارس. 

وفي السياق أفاد مصعب الأشقر مراسل "بلدي نيوز" في سهل الغاب: "قصفت الطائرات الروسية بصواريخ يُعتقد أنها من طراز (جو جو) يوم الثلاثاء الماضي محطة كهرباء زيزون شرقا وصولاً إلى قرية السرمانية غربا".

وأضاف الأشقر، "  تكرر القصف فجر الاربعاء مستهدفاً المنطقة الممتدة غرب بلدة الزيارة وصولا إلى قرية السرمانية، وكان القصف الجوي الأعنف ليل الجمعة والذي استهدف بلدة قسطون في سهل الغاب واستمر مدة أربع  ساعات شاركت فيه عدد من الطائرات مما أدى إلى اشتعال حرائق بالمحاصيل الزراعية، وإحداث سحابة دخانية بيضاء، ترافقت مع تساقط شظايا كبيرة وصغيرة الحجم على منازل المدنيين". 

هذه التطورات العسكرية أعقبت إعلان "الجبهة الوطنية للتحرير"، القرى والبلدات الواقعة على السفح الشرقي في جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي مناطق عسكرية، حيث يسيطر على هذا القاطع "لواء صقور الشام"، الذي بدوره أصدر بياناً، أعلن فيه قرى (كدورة ومعرزاف ومنطف وبينين وسرجة ورويحة ومنطف وتل السيرياتيل) مناطق عسكرية يمنع اقتراب المدنيين منها حفاظاً على سلامتهم. وجاء القرار - بحسب البيان- بعد مئات الخروقات المتتالية من قبل قوات الأسد والميليشيات الإيرانية التي طالت مدفعياتهم وصواريخهم معظم قرى وبلدات جبل الزاوية وبالتحديد القرى والبلدات المتاخمة لخطوط التماس في ظل إعلان وقف إطلاق النار، مما أدى الى موجة نزوح جديدة من المنطقة. 

في خضم ذلك، قادت تركيا خلال الأيام الماضية من الشهر الجاري مشاورات مع الروس، ورغم إعلانهما التمسك بالتهدئة، فقد قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو: "إن اجتماعاً بين دول أستانا سيُعقد عمّا قريب في إيران لبحث الملف السوري". وأوضح أوغلو، عبر لقاء متلفز مع قناة "TV 24" الأربعاء 3 حزيران، "أن المناقشات جارية مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أجل تحديد موعد الاجتماع المرتقب". لكن المشاورات على ما يبدو باءت بالفشل، ليعود التصعيد العسكري مجدداً؛ فتحولت معه منطقة جبل الزاوية إلى قاعدة عسكرية، مكتظة بالميليشيات والأسلحة وبالتحصينات الصناعية، التي تشير إلى قرب مواجهة مسلحة أشد ضراوة مما شهدته المنطقة في تاريخها الدامي، خلال سني الحرب التي تعرضت لها.

سبق ذلك في 15آذار/ مارس الماضي، ومع توارد الأنباء حول الحشد العسكري لحلف روسيا، وبينما كانت تتأهب لذلك على طول خط الجبهة، بادرت أنقرة إلى الانتشار العسكري جنوب طريق الـ"m4"؛ وتزامنا مع زيارة وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار برفقة رئيس الأركان يشار غولر للحدود التركية مع سوريا، أدخلت تركية معدات عسكرية وأرتال من الجنود نحو نقاط المراقبة التركية المنتشرة في الشمال والتي باتت قواعد عسكرية ضخمة، وقالت صحيفة "يني شفق"، "إن الجيش التركي يواصل تعزيز مواقعه شمال طريقي "M4 " في محافظة إدلب، في إطار عملية "درع الربيع" والتي أطلقها نهاية شهر شباط الماضي ضد قوات نظام الأسد، رداً على مقتل 33 جندي تركي بقصف جوي للنظام". 

وقد وصفت الحكومة التركية تصرفات الميليشيات المسلحة التابعة لنظام الأسد مؤخرا، بأنها تفتقر للمسؤولية في التعامل مع جهود تطبيق اتفاق موسكو، وفي السياق قالت صحيفة "يني شفق": (إن القوات التركية نشرت أنظمة دفاع جوية ورادارات من طراز "كوركوت" و"أتيلغان" و"هاوك-21" وأجزاء من منظومة "حصار" في الشمال السوري). 

وقال المحلل العسكري التركي توران أوغوز، في حديثه مع الصحيفة المذكورة، إن القوات التركية من خلال نشرها أنظمة رادار ودفاع جوي في المنطقة، فإنها تعطي رسالة بهذا الشكل؛ "هدوء تام كما لو أنها لا توجد أي عملية عسكرية قائمة، وفي الوقت ذاته استعداد تام وكأن العملية العسكرية ستبدأ بأية لحظة". مما يؤشر على جاهزية أنقرة لكل الاحتمالات.

اتجاهات المعركة

إزاء ذلك، لا يبدو طريق اتفاق موسكو سالكاً، وخطوات تنفيذه عادت إلى نقطة البداية، فسلوك الروس العسكري؛ يعني إعادة الجدل حول مضامين "اتفاق موسكو"، وأن نوايا الحلف الروسي تغوص في البحث عن مخارج رابحة تحقق غايات الاتفاق، من خلال أحد اتجاهين:

في الاتجاه الأول؛ تسعى روسيا، مدعومة بميليشيات إيران والأسد، إلى إعادة صياغة اتفاق موسكو، أو إلحاقه بملحق آخر، يضيف لها مكتسبات كانت قد فقدتها مع تطبيق الاتفاق في وضعه الراهن، بما يفضي إلى السيطرة على منطقة جنوب طريق الـ "m4"، وذلك على غرار ما حدث شتاء العام 2018، في العملية العسكرية الموسومة بـ "شرق وغرب سكة حديد الحجاز". 

والتي قضمت روسيا بموجبها أجزاء واسعة من ريفي حلب الجنوبي وإدلب الشرقي. 

وفي الاتجاه الثاني؛ قد تُجرُّ تطورات الأحداث جنوب طريق الـ "m4" في جبل الزاوية وسهل الغاب إلى مواجهة مسلحة بين فصائل المعارضة، وبين الميليشيات الطائفية المتعددة الجنسيات ومن خلفهما كلً من روسيا وتركيا، بما يقضي على اتفاق موسكو تماماً، والانتقال إلى واقع آخر، يسعى فيه الروس نحو خطوات عدوانية في طريق مشروعهم الاحتلالي، والذي قد يتوسع فيها الصراع، وقد نشهد قيام تحالفات جديدة، معلنة أو غير معلنة، مع أطرف دولية وإقليمية تذكي الصراع وتعمل على توسيع هوة الخلاف التركي الروسي. وهذا الاتجاه، كله أو جزء منه، هو الأرجح.

آفاق المعركة

مع ما تبديه روسيا من مناورات ملتبسة، تفسَّر من قبل الكثير بأنها تواطؤ مع ما تواجه إيران من تحديات ميدانية أمام الضغط الإسرائيلي، فإن ميليشيات إيران تتأهب إلى جانب روسيا على طول خط الجبهة ضد فصائل المعارضة المسلحة، وإن كانت المؤشرات الراهنة تبعث على التفاؤل قليلاً؛ حيث بدت الفصائل في جاهزية لصد كل المحاولات الهجومية المتواصلة على مدى أشهر، وكبدت قوات الأسد  خسائر في الأرواح والمعدات والأسلحة، لكن هذا الوضع قد يتراجع في حال نشوب مواجهات واسعة، ويظل التدخل التركي المحتمل فيصلاً في نتائج المعركة، من خلال المشاركة العملية بالأسلحة المتطورة، فضلاً عن تدخلها بالطائرات المسيرة التي كان لها أكبر الأثر في معارك أبريل/نيسان الماضي بعد مقتل العشرات من جنودها في بلدة بليون بجبل الزاوية. 

من هنا، فالراجح أن يتصاعد القتال على المدى القصير، حيث سيواصل الروس وحلفاؤهم هجومهم ضد فصائل المعارضة. 

وعلى المدى المتوسط، ربما تقسم المنطقة على طول طريق الـ "m4" بين الشمال والجنوب؛ حيث سيسيطر نظام الأسد مع الروس والإيرانيين على معظم المناطق الجنوبية للطريق، فيما ستسيطر فصائل المعارضة على شمال الطريق وبعض الأجزاء الجنوبية. 

وختاماً، فإن منطقة خفض التصعيد على المدى الطويل، ربما تواجه آخر المعارك مع انهيار التحالفات القديمة وتشكل تحالفات جديدة. وقد تكون مفاعيل التطورات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، بداية نهاية الحرب السورية المستعرة على مدى سنوات.

مقالات ذات صلة

نظام الأسد يعلق على الأعمال العنصرية ضد السوريين في "بشري" اللبنانية

طائرات روسيا تجوب أرياف إدلب وحلب

الجيش التركي يُرسل 15 آلية عسكرية إلى عُمق إدلب

استقرار بسعر صرف الليرة لليوم الثاني على التوالي

تسجيل 202 إصابة بفيروس كورونا شمال سوريا

المعارضة تكبد "قسد" خسائر في حلب ‏وضحايا أطفال بانفجار في الرقة