من بوابة إدلب.. واشنطن تقلب أوراق روسيا وإيران والأسد في سوريا - It's Over 9000!

من بوابة إدلب.. واشنطن تقلب أوراق روسيا وإيران والأسد في سوريا

بلدي نيوز – (تركي مصطفى) 

مقدمة

مُني الأسد بهزيمة كبيرة في محافظة ادلب عام 2015م، حيث خسر مركز محافظة إدلب التي كان يسيطر عليها منذ فترة طويلة لصالح ائتلاف "جيش الفتح". وكان لذلك الحدث انعكاساته الهامة على مسار الحرب في سوريا، من خلال توسيع فصائل الثورة دائرة المعارك باتجاه المحافظات المجاورة, كما شكلت تلك الهزيمة تحديات جديدة لميليشيا نظام الأسد من خلال فشل استراتيجيته العسكرية, حيث مثلت اختبارا هاما لقدرته مع الميليشيات الطائفية الإيرانية على تجاوز العقبات التكتيكية والعملياتية في محافظة إدلب، وأمام تلك الهزيمة وفي تلك الظروف كان التدخل الروسي العسكري, الذي بدأ يعمل على إعادة تنظيم قوات الأسد لشن هجوم مضاد لاستعادة السيطرة على مدينة إدلب,. أما بالنسبة لفصائل الثورة، فقد حاولت استغلال نجاحها بشن عمليات هجومية في محافظات اللاذقية وحماة وحلب, ولكنهم رغم تقدمها العسكري, إلا أنها فشلت في الحفاظ على وحدة الجهود والأهداف.

خلال الأسبوع الماضي، ازدادت وتيرة الاشتباكات بين فصائل المعارضة وميليشيات نظام الأسد المسنودة بغطاء جوي في إطار العدوان الذي تشنه روسيا على منطقة خفض التصعيد الرابعة منذ صيف العام الماضي, تخلل هذا العدوان نشاط دبلوماسي كان آخره اللقاء الذي جمع في 8 كانون الثاني/ يناير الجاري، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في إسطنبول، ونجم عنه الاتفاق على وقف إطلاق النار في سوريا وليبيا ابتداء من 12 كانون الثاني/يناير. ولكن سرعان ما انهار اتفاق وقف إطلاق النار بعد 72 ساعة على سريانه نتيجة مواصلة روسيا عدوانها, وكذلك لم تتفق الأطراف الليبية المتصارعة. وسواء توصّلت موسكو وأنقرة إلى هدنة مؤقّتة أم لا، يجسد النفوذ الروسي المتنامي في سوريا فشلا ذريعا للمساعي الرامية إلى حل الصراع دبلوماسيّا. إذ يتطلّب الجهد الطويل الأمد الذي يهدف إلى تعزيز العملية الانتقالية السياسية في سوريا العودة إلى قرارات الأمم المتحدة مما يتطلب جهدا دوليّا أوسع نطاقا للتقدم في العملية السياسية, وهو ما أكدت عليه لقاءات آستانا التي ترعاها موسكو وتدعمها تركيا, ولكن بوتين أدرك أن الظروف الدولية تتيح له استكمال أعماله العدائية وعدم احترام القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة, والذي يجري تجاهلها على نطاقٍ واسع.. ما أدى إلى انزلاق الأوضاع في سوريا وتصاعد وتيرة المعارك في ريف إدلب الشرقي.

تناقش الورقة أبعاد معركة إدلب والخلاف الدائر حولها بين أطراف الصراع الإقليمي والدولي، وتطرح سيناريو لمآل الشراكة القائمة بين تركيا وروسيا من جهة، وروسيا وإيران من جهة أخرى، وتتوقف عند تداعيات عودة واشنطن بقوة إلى الملف السوري، وتختم الورقة برؤية استشرافية لمصير محافظة إدلب ومحيطها المحرر في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتشابكة.

المأزق الإيراني-الروسي في إدلب

في إطار الصراع الدولي والإقليمي على سوريا, قال المبعوث الأميركي الخاص لسوريا جيمس جيفري في وقت سابق إن للولايات المتحدة ثلاثة أهداف في سوريا, "الإطاحة بداعش, وحل سياسي شامل تحت مظلة الأمم المتحدة, وإخراج إيران وميليشياتها بالكامل من سوريا". وتصاعدت لهجة التحدي الأميركية باغتيالها ممثل المشروع التوسعي الإيراني قاسم سليماني, ومع ازدياد الضغط الأميركي على إيران، انكشفت فجوة الخلاف بين إيران وروسيا عمقا واتساعا، خاصة بعد زيارة بوتين المفاجئة إلى دمشق ولقائه بالأسد في مركز المصالحة الروسية، وهذا ما فسرته طهران على أنه سعي من حليفها بوتين  للاستفراد بكل مكامن القوة في سوريا، بعد أن أدركت روسيا أن استحقاق إخراج الإيرانيين من سوريا بات أولوية أميركية لا بدّ أن تأخذه في الاعتبار، لذلك فهي لا تمانع الضربات "الإسرائيلية" التي تطال البنية العسكرية الإيرانية، بالإضافة إلى وضع نظام الأسد أمام خيار طلب الانسحاب الإيراني ضماناً لبقائه، ما يجعل روسيا مضطرة للتخلص من الشريك الإيراني، لضمان استمرار نفوذها في سوريا من جهة، ولأن إيران باتت عبئا على الروس من جهة أخرى، لذلك تتجاهلها في الحديث عن معركة إدلب. الآن ومع المعارك المحتدمة على تخوم محافظة إدلب, فإن كثيرا من السجالات, تدور بين الروس والإيرانيين، حول من سيقاتل في إدلب ومن سيقود المعركة، عادة ما يكون موقف إيران في المعارك السابقة قويا، ولكن في ظلّ الحديث الأميركي عن حصار إيران وعزلها دوليا، وتماهي الروس مع التوجه الدولي ضد طهران، يبدو موقف الإيرانيين ضعيفا.
واقعيًّا، لم يعد للإيرانيين من النفوذ المباشر في سوريا، ما يُبنى عليه من تأثير يمكن أن يُحسب لهم في إدارة الحرب وقيادة المعارك، ضمن شراكتهم مع الروس، باستثناء ما يمثِّله وجودهم العسكري من ثقل في المنطقة الشرقية على الضفة اليمنى للفرات من دير الزور نزولا إلى البوكمال، وذلك نتيجة هيمنة الروس على المفاصل الحيوية لنظام الأسد، لكن تظل هناك زوايا صغيرة يحضر فيها نفوذ إيران المباشر، مثل أذرعها العسكرية "حزب الله" والميليشيات المحلية ذات الطابع الطائفي والمنتشرة في مناطق العلويين التي يشرف عليها أقرباء الأسد. وبالنتيجة؛ فإن إيران غير متحمسة للقتال في إدلب، ولكنها تتعامل بشيء من الحرص والمراوغة والمخاتلة السياسية للحفاظ على الشراكة الجامعة لها مع الروس.

واشنطن العائدة بقوة من بوابة إدلب

مع اغتيال قاسم سليماني, تراجع السخط الشعبي الأمريكي ضد سياسة الرئيس دونالد ترامب، وتحاول الدوائر العسكرية والاستخباراتية الأميركية استثمار هذا الحدث الكبير للخروج من مأزقها السياسي في المنطقة؛ ولذلك كشفت لقاءات اسطنبول بين المبعوث الأميركي جيفري والمعارضة السورية عن إمكانية دعم فصائل المعارضة العسكرية بالأسلحة في إطار مواجهة الميليشيات الإيرانية في الشمال السوري, وتفعيل استراتيجية عرقلة الطموحات الروسية التي فشلت في  إيجاد مخرج للمسألة السورية عدا عن ارتكابها المجازر وإشاعة الفوضى وانهيار الاقتصاد. وأوضحت الإدارة الأميركية, في أن وجودها و"التحالف الدولي" في شمالي سوريا، سيستمر علاوة على محاربة تنظيم" داعش" لهدفين: مراقبة الوجود الإيراني والضغط لانسحابه، والعمل لتحقيق حل سياسي وفقاً للقرار الدولي 2254، وإن تعمّدها التأكيد على ذلك يتضمّن ضغطا على موسكو التي ابتعدت كثيرا عن روح القرار الدولي وأهدافه، ولا تزال تطلق إشارات إلى أنها في صدد اعتماد "مسار استانا – سوتشي" بديلا من "مسار جنيف"، فالأول يحصر الحل السياسي بتوافقات روسيا مع تركيا وإيران، أما الآخر فيستلزم شراكة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. من هنا، تحركت واشنطن دبلوماسيا تزامنا مع العدوان الروسي على محافظة إدلب ومحيطها المحرر، ويبدو أن واشنطن ستعمل على تهيئة تحالف دولي واسع لمواجهة التحديات العسكرية الروسية في سوريا وليبيا، لأنها تدرك أن نجاح روسيا في السيطرة على إدلب، والتقدم في الملف الليبي سيسفر عن نتائج مديدة على الوضع في سوريا وسيخرج أوربا من المعادلة السياسية في شرق المتوسط، إن تمكن الروس من بسط سيطرتهم على إدلب مما سيؤدي إلى فرض أمر واقع في سوريا تكون اليد العليا فيه للروس, وهذا ما لم تقبل به الولايات المتحدة ولا دول الاتحاد الأوربي.

تركيا روسيا وخلط الملفات

تعمل الاستراتيجية الروسية على محاولة الضغط  على حليفها التركي لفكّ الارتباط الوثيق بين تركيا وفصائل المعارضة السورية، جرّاء إرسال روسيا مرتزقة فاغنر, وقوات عسكرية خاصة إلى معسكر الجنرال خليفة حفتر في أيلول/سبتمبر الماضي، فلجأت "حكومة الوفاق الوطني" إلى تركيا، حليفتها الإقليمية، بهدف الحصول على المساعدة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، فزوّدتها أنقرة بالمركبات المدرّعة وبطائرات من دون طيّار من طراز "بيرقدار" في وقتٍ مبكرٍ من الحرب، إلا أنها أبطأت الإمدادات وعملياتها خلال الصيف. ولكن في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، وقّعت تركيا اتفاقيْن مع "حكومة الوفاق الوطني" هما: مذكّرة التفاهم التي وافقت تركيا بموجبها على توفير المعدات العسكرية والأفراد والتدريب عند الطلب، والاتفاق البحري الذي رسم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة ممدّداً المياه الإقليمية الخاصة للبلدين في البحر الأبيض المتوسط، وفي كانون الأول/ديسمبر، طلبت "حكومة الوفاق الوطني" دعما عسكريّا مباشرا على أساس مذكّرة الدفاع، ووفت أنقرة بتعهدها عبر الموافقة على نشر الجنود في 2 كانون الثاني/يناير الجاري. وفي سياق هذا التصعيد التقى بوتين وأردوغان في 8 كانون الثاني/ يناير، في اسطنبول ودعيا إلى وقف إطلاق النار في سوريا وليبيا ابتداءً من 12 كانون الثاني/يناير. لكن الجانب الروسي لم يلتزم بوقف إطلاق النار في سوريا ورفض حليفهم حفتر التوقيع, مما أدى إلى إثارة ارتدادات سياسية ملحوظة من  الولايات المتحدة ودول "الاتحاد الأوروبي" التي تعارض تدخّل موسكو في ليبيا، وتنظر بقلق لما يجري من قتل وتشريد وتهجير قد يخلق أزمة إنسانية لها انعكاساتها المباشرة على الأمن القومي التركي في حال تعرضها لموجة نزوح كبيرة قد تتجاوزها إلى أوروبا. ورغم السجالات القائمة بين أنقرة وموسكو، فإن الأخيرة مهما حاولت خلط الملفات, فإن تركيا تمتلك أوراق قوة تحتاج روسيا وإيران والدول الأوروبية الفاعلة، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، للتفاعل معها.

معركة وجود كشفت المعارك الجارية في ريف إدلب الشرقي عن ضراوة القتال وحجم المواجهة التي تبديها فصائل المعارضة المسلحة جراء سقوط العدد الكبير من القوات الخاصة الروسية بين قتيل وجريح, وأضعافهم من ميليشيا الفيلق الخامس الذي تدعمه روسيا, في إطار معركة حاسمة تؤسس لمرحلة طويلة من الصراع, وأهم ما يمكن تناوله في مسألة التحديات والفرص المحيطة بالمعركة، تلك الطبيعة الجغرافية المنهكة لمقاتلي الميليشيات المعتدية، خلافا لفصائل المعارضة الذين تمرسوا على ذلك خلال سنوات الحرب الثمانية، ويضاعف من تلك التحديات على القوات المعتدية، جاهزية فصائل المعارضة بمقاتلين عقديين "هيئة تحرير الشام وحراس الدين والحزب الإسلامي التركستاني" وأغلبيتهم العظمى من السوريين, ترخص أرواحهم في سبيل الدفاع عن مناطقهم، حيث تمّ إعداد مقاتلين أشداء ينتمون لمناطق مختلفة من سوريا، ممن يؤمنون بعدالة هذه الحرب، وبحق العودة إلى منازلهم المصادرة، والدفع بهم في طليعة الفصائل، وضمان وقوف الحاضنة الشعبية إلى جانبهم بعد عملية استئصال ممن يسمون بـرجال "المصالحات". فضلا عن الجيش الوطني المنظم الذي تدعمه تركيا ماديا ولوجستيا, وتبرز التحصينات والموانع الهندسية وحقول الألغام، التي استحدثتها فصائل المعارضة، كتحدٍ آخر أمام تقدم الميليشيات الإيرانية وتلك التابعة للأسد، حتى وإن كانت مسألة فنية يسيرة الحل لكنها تلعب دورا مؤثرا في إبطاء تقدمه ومنح فصائل المعارضة وقتا كافيا لترتيب صفوفهم، وكتحدٍ آخر تقف مشكلة عدم كفاية المقاتلين ولا سيما النوعيين لميليشيات النظام وتوابعها، الذين يفترض أن يكونوا ثلاثة أضعاف مقاتلي المعارضة، وفقا لقواعد الهجوم الناجح.

عمليا، يمكن القول إن فصائل المعارضة نجحت في الجولة الجارية من المواجهات بإيقاف تقدم الميليشيات الروسية وتوابعها باتجاه مدينة معرة النعمان والطريق الدولي.

وبالتأكيد, سيؤدي اتساع دائرة المعارك وانتقالها باتجاه ريفي حلب الجنوبي والغربي, إلى معركة استنزاف طويلة الأمد قد تغري محافظات أخرى "ريف حمص الشمالي والقلمون والغوطة ودرعا" لاقتفاء آثارها والانقلاب على الروس وحلفائهم والعودة إلى مربع الصراع الأول بكل ما يحمل من نتائج كارثية على الوجود الروسي في سوريا.

خلاصة

تظهر معركة إدلب بوضوح حجم الاختلاف الدولي والاحتقان الإقليمي جراء العدوان الروسي العبثي المترع بالجريمة والعاجز عمليا عن الاستمرار في معركة لعدة أشهر، بل يحتاج إلى معركة تشابه معركة درعا هي عملية استسلام منظم فقط، وفي حال واجه مقاومة حقيقية فسوف تكسر قواته، فإدلب اليوم هي داريا وجوبر، وهي النخبة التي رفضت البقاء في درعا والغوطة، وهي البقية الباقية من العناصر الذين فضلوا القتال والثورة على النظام، ما يعني أن الروس أمام خيارين، إما الاستمرار في معركة إدلب واستخدام السلاح الكيماوي، أو الهزيمة التي تعني نهايته في سوريا، ونهاية أي قدرة لديه على شن هجوم لاحق على إدلب. الإدارة الأميركية تدرك هذا، وتحتاج إلى ذريعة مباشرة لضرب النظام، والكيماوي هو الذريعة الأكثر أخلاقية لفعل ذلك.

التحدي الأبرز أمام معركة إدلب، حيث تقف وراءه دول عظمى كالولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا الغربية ومعها دول إقليمية فاعلة في الملف السوري "إيران وتركيا" لتحقيق مصالح استراتيجية تبادلية مع طرفي الصراع المحليين "نظام الأسد والمعارضة السورية"، فمع قيام الحلف الروسي بالعدوان، برزت محاولة إجهاضه على نحو ما قامت به تركيا من مطالبة فصائل المعارضة بالرد على المعتدين بعنف، مما أجبر الروس على توقيف تقدمهم في ريف المعرة الشرقي، وكذلك ألمحت الإدارة الأميركية إلى إمكانية دعم المعارضة بالسلاح, وتعمل دول الاتحاد الأوروبي على منع نشوب معركة شاملة ضد المناطق المحررة خوفا من موجة نزوح جديدة تشكل كارثة إضافية على أوروبا. لذلك, فالكرة في ملعب فصائل الثورة بالتوجه نحو اندماج حقيقي ضمن تشكيل عسكري موحد لصدّ العدوان الجاري على آخر معاقلها. باعتبار المعركة, معركة وجود.

مقالات ذات صلة

المعارضة تصد محاولة للنظام في حلب وتعزيزات تركية جديدة إلى إدلب

صحيفة إسرائيلية: بوتين رفض مقترحا للرد على قصف "إسرائيل" بسوريا

قمة رباعية في أسطنبول مطلع آذار لبحث تطورات إدلب

تركيا تنعي أحد جنودها وتقول إنها دمرت عشرات المواقع للنظام في إدلب

تركيا.. اختطاف سوري من أمام منزله في إسطنبول

من جديد.. الدفاع الروسية والتركية تبحثان التطورات في إدلب