ما بعد مقتل الجنرال سُليماني.. الأبعاد والتداعيات - It's Over 9000!

ما بعد مقتل الجنرال سُليماني.. الأبعاد والتداعيات

بلدي نيوز- (تركي المصطفى)

تواصل الولايات المتحدة برنامجا خاصا لمحاربة الإرهاب في المنطقة، كان أكثره إثارة للجدل تدشين ترامب العام 2020 بضرب ميليشيا "الحشد الشعبي" في العراق، واغتيال "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، و"أبو مهدي المهندس" رجل إيران المخلص في العراق والقائد الفعلي لميليشيات "الحشد الطائفي"، كما قتل في العملية قادة في مليشيات "الحشد وحزب الله" اللبناني. 

ملخص

بعد مرور عقود من الزمن تلت سقوط بغداد بالتعاون بين الولايات المتحدة وإيران وما تلاه من تسهيل التوغل الإيراني في المنطقة العربية، تتكشف الصورة عن مشهد غارق بدماء السوريين والعراقيين يُمعن في تكريسه يوما إثر آخر كلا الطرفين؛ أمريكا وإيران، ومعهما حلفاء الداخل والخارج ضمن فصول من العبثية واسترخاص الدماء، وعلى ذات المنوال ومن الكأس ذاته شرب "قاسم سليماني" ليعود إلى إيران أفقيا كما خرج منها بالموافقة الأميركية عموديا، ومالم يقف عليه أغلب المحللين أنه بالعادة ما يجري الخلاص من الأدوات القذرة حينما تشكل في نهاية أي معترك عبئا على مستخدمها، وأحيانا يجري ذلك في منتصف المرحلة لأنها لم تعد ذات جدوى، ومع ذلك فإن "قاسم سليماني" خلال مسيرته العسكرية الوالغة بالدماء وطريقة اغتياله وتأبينه وتأجيل دفنه وكل ما يدور حوله حيا وميتا، من وجهة نظر واضعي السياسات في إيران، تتجلى في كونه ورقة تأثير إيرانية لأجندات استراتيجية كبيرة، أدناها المشروع النووي الإيراني. 

لا شك أن ما بعد "سليماني" ستبرز تجاذبات وتداعيات داخلية وخارجية بين واشنطن وإيران تطفو على السطح على شكل ارتدادات تدريجية تتسرب من داخل كواليس إدارة الرئيس دونالد ترامب، لتدخل في إطار محاور مراكز القوى الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس، وفي السباق الرئاسي، وكذلك في السياسة الأميركية ضمن ثوابت استراتيجيتها في الشرق الأوسط، يقابل ذلك ردود أفعال إيران التي صدمت بحجم الفعل الأميركي وهي تدرك هنا أن لا مجال للعواطف في الأزمة القائمة، لأن السلوك البراغماتي السياسي والعسكري، لا يعلوه أي سلوك. 

تحولات استراتيجية بملامح خشنة

مع أواخر العام 2019، بلغت العمليات الجوية الأمريكية ذروتها باصطياد قيادات تنظيم "داعش" و"القاعدة" في سوريا الواحد تلو الآخر، حيث قتل زعيم تنظيم "داعش" أبو بكر البغدادي الذي كان المطلوب الأول في العالم في 27 من أكتوبر 2019، ثم تلاه في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام ذاته اغتيال زعيم تنظيم "حراس الدين" أبو خديجة الأردني عبر طائرة درون تابعة للقوات الأميركية في بلدة ترمانين بريف إدلب، ليكون فاتحة العام الجديد اغتيال الجنرال الإيراني "قاسم سليماني" المسؤول عن مقتل الآلاف من السوريين والعراقيين ومن بين الذين قتلهم أميركيون وإيرانيون معارضون. 

مثّل "سليماني" على مدار عقدين من الزمن  الشخصية المحورية التي تجسد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، حيث بنى ثقل إيران السياسي على جماجم الأبرياء في العراق وسوريا ولبنان وحتى اليمن، وكشفت البيانات التي أصدرتها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والاستخبارات الأميركية وكذلك وزارة الخارجية والبيت الأبيض، إثر عملية الاغتيال عن تخطيط سليماني لعمليات ضد دبلوماسيين وعسكريين أميركيين، فأعطى الرئيس الأميركي الضوء الأخضر لعملية القتل لمنع "سليماني" من تنفيذ مخططٍ يأخذ إيران إلى حافة الحرب، ولعل التغييرات الاستراتيجية في الدفع إلى سياسة أكثر تشددا ضد إيران يمثلها ثلاثي الإدارة الأميركية؛ نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو وقائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي الجنرال كينيث ماكينزي، إذ اتهم "سليماني" بأنه "سهل السفر السرّي إلى أفغانستان لعشرة من أصل 12 من الإرهابيين الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية في الولايات المتحدة"، كما أشار إلى أن "سليماني" نظّم محاولة اغتيال السفير السعودي السابق لدى واشنطن "عادل الجبير" في واشنطن عام 2011، علاوة على ما جرى من محاولة "الحشد الشعبي" الموالي لـ "سليماني" اقتحام السفارة الأميركية ببغداد لاستنساخ تجربة السفارة الأميركية في طهران قبل 40 عاما مع الفارق بين الأشخاص والظروف الدولية. 

مع أن هذا التحول الاستراتيجي لرسم السياسة الأميركية في المنطقة بدا عنيفا، إلا أنه أصبح مسألة غير قابلة للتأجيل من وجهة نظر الإدارة الأمريكية بعدما باتت إيران تشكل بميليشياتها وسلوكها أخطر الشبكات الإرهابية المهددة للأمن القومي الأمريكي وحلفائها في المنطقة، وقد مثلت العراق بالنسبة لـ "سليماني" ومعاونيه ساحة لتصفية الحساب مع الولايات المتحدة، في ظل سيادة مشهد داخلي وإقليمي ودولي لا يسمح لإيران بخوض حرب شاملة.

الانفعالات الإيرانية والردع الأميركي أبرزت إيران نفسها على مدار عقود كخطر دولي وإقليمي أشد من خطر "إسرائيل" على شعوب المنطقة، ولعل تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي أعقبت اغتيال "سليماني" تؤكد بأن الانتقام سيكون على عاتق "المحور" الذي تتزعمه بكل أركانه، وهي بمثابة إشعار من "الحرس الثوري" بإعطاء الضوء الأخضر لكل ميليشياته، بأن يفعلوا ما أمكنهم من أفعال انتقامية توجع الأمريكان، وهدد المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، الولايات المتحدة بـ "انتقام عنيف" لذلك تداعى المحور الإيراني لاستعراض قوته من خلال خطابات وكلائه في المنطقة العربية، ولا أدل على ذلك من خطاب "نصر الله" زعيم ميليشيا "حزب الله" اللبناني الذي هدد "الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، القواعد العسكرية الأمريكية، البوارج العسكرية الأمريكية، كل ضابط وجندي عسكري أمريكي في منطقتنا وفي بلادنا وعلى أراضينا، الجيش الأمريكي هو الذي قتل هؤلاء وهو الذي سيدفع الثمن". 

من جانبه قال الزعيم العراقي الشيعي "مقتدى الصدر" في بيان له: "إنني كمسؤول عن المقاومة العراقية الوطنية، أعطي أمراً بجهوزية المجاهدين لاسيما جيش الإمام المهدي، ولواء اليوم الموعود، ومن يأتمر بأمرنا من الفصائل الوطنية المنضبطة لنكون على استعداد تام لحماية العراق"، ولم تتجاوز تهديدات ملالي إيران وباقي الوكلاء حدود التراشق بالكلام ضد الولايات المتحدة.

 في الواقع كل هذا النفخ  من محور إيران، لتلميع صورتها في المنطقة بعد اهتزازها إثر اغتيال "سليماني" ولأجل التأكيد على أن يقال بأن إيران تقف نداً عنيداً أمام أمريكا، وهي في الواقع مجرد نمر من ورق.

من جانب آخر، الولايات المتحدة تستخدم حتى الآن سياسة الردع المرحلي، وهي في مفهومها الدقيق، التلويح بالقوة, وهذا ما يجعلنا نفسر قول الرئيس ترامب، بأنه سيستهدف مواقع ذات قيمة ثقافية مهمة لإيران (Iranian Culture) في رسالة واضحة أن إيران تستغل تلك المواقع الثقافية في أعمالها العسكرية، وتستدعي الضرورات العسكرية ضربها.

و تدرك إيران أن الردع الأميركي الخشن، يعني ضربة أميركية موجهة ترعوي منها إيران وحلفائها في المنطقة، كما تدرك أن الولايات المتحدة لم تتخذ قرار التخلص من "سليماني" ومساعديه، إلا بعد أن درست الموقف تماما ووضعت التدابير اللازمة لأي رد فعل من قبل إيران، لذلك لا زال التراشق الإعلامي هو السائد بين البلدين بانتظار إعلان هزيمة إيران وفرض الاستراتيجية الأميركية الجديدة لرسم ملامح المنطقة وفق مصالحها، أو دخول إيران أتون معركة بأذرعها الماثلة على الأرض العربية.

العراق حلبة الصراع

يتواجد في العراق ما يقارب 8000 جندي أميركي، من مهامهم التدريب والاستشارة العسكرية والقيام بتنفيذ مهام خاصة، ينتشرون على 8 قواعد عسكرية أهمها: قاعدة "فكتوري" أو "النصر" مقر قيادة عمليات القوات الأميركية في العراق والمنطقة، وهي القاعدة التي تقع داخل مطار بغداد الدولي، وتتكون من عدة معسكرات مختلفة من بينها قصر الفاو، وهو قصر رئاسي عراقي بناه الرئيس السابق صدام حسين وسط بحيرة على بعد 5 كيلومترات من مطار بغداد الدولي.

وثاني أكبر القواعد العسكرية "قاعدة عين الأسد" في محافظة الأنبار، مركز انطلاق العمليات الخاصة للجيش الأمريكي في العراق ضد تنظيم "داعش"، ثم قاعدة "التاجي" شمالي بغداد، وقاعدة "رينج" الواقعة في كركوك، وقاعدة "الحبانية" غرب الفلوجة، بالإضافة إلى معسكر "السلام" ومعسكر "فيشخابور" في إقليم كردستان، ويضمان المئات من الجنود الأمريكيين الذين انسحبوا من سوريا باتجاه العراق. 

وبحسب تقارير "البنتاغون" وزارة الدفاع الاميركية، أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب 2 مليار دولار في الحرب على تنظيم "داعش" وعلى أثر اغتيال "سليماني" أطلق نواب عراقيون موالون لإيران تهديدات بـ "تخوين" من يعارض التصويت على خروج القوات الأميركية من العراق، فصوت البرلمان العراقي الأحد الماضي لصالح قرار "يلزم الحكومة العراقية بإنهاء وجود أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية لأي سبب كان"، ويندرج هذا القرار في حكم التوصية أو الاقتراح لأن حكومة "عادل عبد المهدي" هي حكومة تصريف أعمال، أي أن مهمتها تسيير الأمور اليومية للبلد وليس اتخاذ قرارات بإلغاء الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، ومع ذلك أرسلت "قوات المهام المشتركة" (عملية العزم الصلب) لمحاربة "داعش" بالعراق مذكرة موجهة إلى الحكومة العراقية تتحدث عن "إعادة تمركز"، قواتها، وتعلن عن ترتيبات لخروجها وتنسق ذلك مع بغداد، هذا الإجراء سيمكن الولايات المتحدة من التعامل مع أي تهديد إيراني بمرونة عالية، وبعيدا عن أن أي التزام تجاه العراق.

خلاصة أولى مؤشرات تحول السياسة الأمريكية تجاه إيران في العراق، العملية العسكرية التي استهدفت بها الجنرال "قاسم سليماني" بالقرب من مطار بغداد الدولي، كان الملفت في تلك العملية أنها جاءت فاتحة لمعركة جديدة مع "الإرهاب" بوجهه الشيعي، مما سيغلب عليها طابع الإثارة والانتهازية كأبرز صفتين للرئيس الأميركي ترامب، لذلك ستضفي الإدارة الأمريكية بشكل فعلي صفة "الإرهاب" على النظام الإيراني لما يمثله من تهديد يمس الأمن القومي الأمريكي بدرجة أولى، لا الأمن الدولي والإقليمي فقط، وأن التحول في المواجهة ما هو إلا امتداد مطور لما تسميه "محاربة الإرهاب"، وسيشاركها في هذا التحول دول الاتحاد الأوروبي، وبصرف النظر عن الدوافع الأميركية في نزاعها مع إيران، فلا يمكن إنكار الخطر الذي شكله "قاسم سليماني" القائد الفعلي للميليشيات الشيعية المتطرفة الذي أغرق المنطقة في بحيرة من "الدماء" لتلقي به الطائرات التي حمته يوما وسط تلك البحيرة يسبح بدمائه إيذانا ببدء مرحلة جديدة في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

لقاح فعال يقتل كورونا وخطوة واحدة تسبق توزيعه مجانا

ريف حلب.. مبادلة جثة قيادي إيراني بأسيرين من "فيلق- الشام"

"باتريوت".. هدف الأتراك القادم لتحييد التفوق الروسي

البنتاغون: الروس والأتراك يقتربون من نزاع عسكري في سوريا

مندوبة واشنطن بمجلس الأمن: ندعم مصالح حليفتنا تركيا بإدلب

فعالية عشائرية بالقامشلي لدعم النظام.. هل دفعت أمريكا العشائر لمناصرة الأسد؟