قانون "قيصر/سيزر".. ثغرات مكشوفة وخيارات مفتوحة - It's Over 9000!

قانون "قيصر/سيزر".. ثغرات مكشوفة وخيارات مفتوحة

بلدي نيوز - (ثابت عبارة)
بعد مسيرة ماراثونية وجهود كبيرة، تمكّنت منظمات حقوقية ومجالس سورية ناشطة في الولايات المتحدة الأمريكية من فصل "قانون حماية المدنيين" المسمى "قانون سيزر" عن مشاريع قوانين أخرى كانت تمنع التصديق عليه، فقد أُرفق نص مسودة قانون "سيزر" كإضافة لقانون الموازنة الأمريكية لعام 2020، وهذا يعني مرور مشروع القانون بعد توافق كبير بين أعضاء الكونغرس من الجمهوريين والديمقراطيين، وفي انتظار توقيع الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) على مشروع هذا القانون.
بعد أن تأملّت في بنوده ومداخله ومخارجه، مقدماته ونتائجه، وما يتوقع منه وما يمكن أن يُبنى عليه؛ أٌقدّم في هذه السطور قراءة تحليلية استقرائية لما بين سطورِ القانون وما ورائها من منطلق وطني بعيداً عن الانفعال والعواطف، وضمن سياق الواقع السياسي والميداني الحالي.
بدايةً لابدّ من التنويه إلى أنّ قانون قيصر يعرّي جـرائم منظومة الاستبداد- التي لا تحتاج إلى بيان- ويشكل تهديداً اقتصادياً حقيقياً لنظام الأسد لأنه تناول كل أو أغلب ما يمكن أن يشكل دعماً اقتصادياً له ويعزز استمراره ووجوده، كما يتيح فرض عقوبات على هيئات روسية وإيرانية توفر دعما ماليًا وماديًا وتكنولوجيًا لقطاعات الطاقة والدفاع والبناء السورية، أو أي جهات تسهم في إعادة الإعمار، فضلاً عن فرض عقوبات على المسؤولين الحكوميين السوريين والقادة العسكريين والمدنيين وأي شخص آخر يعتبر مسؤولاً عن الفظائع الجماعية ضد الشعب السوري خلال 8 سنوات مضت من عمر الثورة.
الهدف من إقرار قانون "قيصر/سيزر"
أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا، اليوم السبت، توضح فيه الهدف من توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقانون قيصر/ سيزر الذي يتضمن عقوبات على النظام وداعميه.
وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في البيان: "وقّع الرئيس اليوم قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، في خطوة مهمّة من أجل تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها بشار الأسد ونظامه في سوريا".
وأضاف بومبيو: "يقدّم قانون قيصر للولايات المتحدة أدوات من أجل المساعدة في وضع حدّ للصراع الرهيب والمستمرّ في سوريا من خلال تعزيز قضية مساءلة نظام الأسد".
وأشار إلى أن القانون "يحمّل أولئك المسؤولين عن موت المدنيين على نطاق واسع وعن الفظائع العديدة في سوريا بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة الهمجية مسؤولية أعمالهم".
وتابع: "وينصّ القانون على فرض عقوبات وقيود على من يقدّمون الدعم لأفراد نظام الأسد، إضافة إلى الأطراف السورية والدولية التي تمكّن من ارتكاب تلك الجرائم، والتي كانت مسؤولة عن أو متواطئة في ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سوريا".
ولفت إلى أن القانون يسعى "إلى حرمان نظام الأسد من الموارد المالية التي يستخدمها من أجل تسعير حملة العنف والتدمير التي أودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين، ويرسل قانون قيصر إشارة واضحة مفادها أنه لا ينبغي لأي طرف خارجي الدخول في أعمال مع هذا النظام أو أعمال تؤدّي إلى إثرائه".
وأكد أن "الولايات المتحدة جهودها لتعزيز جهود المساءلة من مثل قانون قيصر، إن غاية عملنا هي الاستجابة لنداءات الشعب السوري التي تطالب بالتوصّل إلى حلّ سياسي دائم للنزاع السوري تمشيا مع قرار مجلس الأمن رقم 2254".
ثغرات مكشوفة وخيارات مفتوحة
رأيت أن أقلّب هذا القانون عبر عدة جوانب أثير من خلالها تحفظات ومخاوف قد تكون خافية على من بَنَى مبكراً أحلاماً وردية عليه:
أولاً- توقيت صدور القانون:
لمن لا يعلم، أُطلق على قانون "قيصر" أو "سيزر" هذا الاسم نسبةً إلى مصور عسكري سوري انشق عن النظام السوري عام 2014، وهو اسم استخدمه لإخفاء هويّته الحقيقية من أجل تسريب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قتلوا تحت تعذيب وحشي مرعب ممنهج في سجون النظام بين عامي 2011 و2013، وفي تموز/ يوليو عام 2014 تمكن "قيصر" من الوصول إلى الكونغرس الأمريكي ليدلي بشهادته أمامه ويعرض عليه الوثائق التي كانت بحوزته، ومن ثَمَّ فإنَّ العقوبات المفروضة بموجب "قيصر" قد فرضت بسبب هذه الجرائم التي لن نسترسل في وصف بشاعتها، أي الجرائم التي وقعت في عام 2011م وعام 2012م فقط، علماً أنه حتى ذلك الحين لم يكن قد تم تدمير شيء في سورية إلا القليل بالقياس والمقارنة مع ما يجري حتى الآن فيها.
وقد مرَّ تداول القضية بمرحلتين؛ في صيف عام 2013م على نحو محدود، ثم صارت قضية عالمية في كانون الأول ديسمبر 2013م عندما دُفِعَ بها في شكوى إلى شركة محاماة بريطانية هي "كارتر- روك" في لندن، وقيل في ذلك الحين أنها وصلت إلى البيت الأبيض وإلى الكونغرس ومجلس الشيوخ، وتواردت أخبار عن مدى الذعر والهلع الذي أصاب كل من شاهد هذه الصور لما فيها من وحشية.
ومع الأخذ بالاعتبار أنه وفي فترة انفضاح هذه الصور- وللمفارقة- حدثت مجزرة الكيماوي الكبرى في ريف دمشق المتاخم للعاصمة، كما بدأت عمليات التدمير الممنهج والتهجير القسري وحصار المدن، ربما غير المسبوق في التاريخ، وموت الناس جوعاً، والجرائم البربرية والقصف العجيب الذي ذهب ضحيته حتى الآن ما يقارب مليون وربما مليون ونصف إنسان بوحشية لا تقل فظاعة عن وحشية صور الـ (11) ألف ضحية.
كل ذلك كان كفيلاً لتشكيل رأي عام عالمي يتوقع ويترقب إنشاء تحالف دولي ﻹسقاط النظام السوري ومحاسبته وتحويله إلى محكمة لاهاي، إلاّ أن ذلك لمّا يحصل بعد؛ السؤال الذي يفرض نفسه هنا لماذا تأخر صدور قانون "قيصر" كل هذا الوقت؟، من كانون الأول 2013م إلى كانون الأول 2019م، أي ست سنوات كاملة في الحد الأقصى، وحوالي أربع سنوات في الحد الأدنى منذ أن طرحت مسودة القانون أمام الكونغرس الأميركي من قبل الديمقراطيين والجمهوريين، وأقره الكونغرس بالإجماع بتاريخ 15 تشرين الثاني نوفمبر عام 2016.
فسّر بعض الأكاديميين الحقوقيين الأمر بوجود مسودتين مختلفتين، وأنه أخيراً تم الاتفاق على صياغة واحدة وأرجع بعضهم الآخر هذا التأخر إلى الإجراءات القانونية والدستورية المعقدة في الولايات المتحدة، وتلك برأيي نظرة قاصرة ينقصها التبصُّر بمسار الأحداث السياسية والعسكرية وموقع سوريا الجيوبوليتيكي.
برأيي المتواضع تمّ فرض هذا القانون في هذا الوقت وبعد كل هذا التأخير ليس أبداً من أجل معاقبة النظام أو القصاص منه بحال من الأحوال، ولا يمكن الاقتناع أيضاً بأنّ جحافل الميليشيات الإيرانية والقوات الروسية والمرتزقة من الطرفين، تجرأت لاحقاً على قتل السوريين وقمع الثورة دون تفويض أو أقله "ضوء أخضر أمريكي"، بناء على ذلك تمّ إصدار القانون اليوم لرغبتهم باستمرار التدمير للبنية التحتية في سورية لدرجة يستحيل بعدها حدوث نهضة اقتصادية فيها لعشرات السنين، فتتحول لدولة فاشلة فقيرة لا يمكن لأي قيادة سورية مهما كان توجهها الوطني أن تقوم بأي خطوات من شأنها تشكيل خطر عسكري أو أن تفكر باسترجاع أراضيها المحتلة أو المطالبة بها.
ثانياً- رفع العقوبات إضاءة على تجارب سابقة:
إضافة إلى إشارات الاستفهام المتعلقة بتوقيت إصدار قانون "قيصر"، هناك أمرٌ آخر مثير للريبة في هذا القانون سنتحدث عنه بالاعتماد على تجارب تاريخية معاصرة تشبه لحد كبير ما نحن فيه، والمقصود هنا فقرة (رفع العقوبات) وهي فقرة تجاهلها الاختصاصيون رغم ما تشكله من خطر جامح على مستقبل سوريا الاقتصادي، فقد ورد في الفقرة (305) وهي آخر فقرة بالقانون مايلي : "يخرج هذا القانون من حيز التنفيذ بعد خمس سنوات" مع إشارة القانون ذاته إلى إمكانية إعادة تفعليه مالم يتحقق أي شرط من الشروط الواجبة لنفاذه.
ألا يجدر بنا جميعاً التوقف عند هذه الفقرة التي تقول بوضوح تام أن القانون سيبقى ساريا لمدة خمس سنوات، أي حتى عام 2024 في المرحلة الأولى مع إمكانية استمراره إلى أجل غير معلوم.
في هذا السياق، تقودنا تجارب التاريخ إلى دولتين خضعتا لترسانة من العقوبات الأمريكية: الأولى العراق الذي تعرض لعقوبات كثيرة عقب غزوه للكويت في العام 1990، حيث صدر قرار من مجلس الأمن يفرض حصارا اقتصادياً على نظام صدام حسين ووضع العراق تحت الفصل السابع، وفي عام 1995 ونتيجة لـ "الأوضاع الإنسانية" جاء القرار بتخفيف العقوبات بما سمي حينها برنامج (النفط مقابل الغذاء)، وهو برنامج دمّر العراق اقتصادياً ولم يُسقط النظام البعثي، بل تم إسقاط النظام باجتياح عسكري أمريكي أدى لاحتلال العراق والذهاب به للمشروع الإيراني، وجاء نظام حكم رسمته واشنطن بالمسطرة والبيكار ليحكم العراق، فماذا كان مصير برنامج (النفط مقابل الغذاء) وقرار مجلس الأمن الذي نص على ذلك؟، هل تعلم أن قوانين العقوبات بقيت سارية المفعول على العراق حتى ديسمبر من العام 2017 على الرغم من أنها صدرت على أساس أنها ضد نظام صدام حسين الذي زال ولم يعد له أثر منذ عام 2003.
المثال الثاني الذي نورده هنا هو العقوبات الأمريكية والأممية التي تعرض لها السودان بمزاعم واهية وادعاءات كاذبة أدّت في نهاية المطاف إلى فرض فصل السودان الجنوبي المسيحي عن السودان الشمالي المسلم في التاسع من يوليو/ تموز 2011، فماذا حصل بعد ذلك؟ استمرت العقوبات رغم تقديم الرئيس السوداني السابق عمر البشير الكثير من التنازلات في أواخر سني حكمه، ثمّ طار البشير ذاته من الحكم واستمرت العقوبات إلى يومنا هذا.
بناءً على ما سبق؛ ألم يكن حريّاً بالواجهة السياسية التي ادعت تمثيل الثورة السورية- ولا تملك من هذا التمثيل شيئا- أن تسارع لإثارة هذه النقطة، وأن تطالب السّلطات الأمريكية بتعديل الفقرة قبل المصادقة على القانون بحيث ينتهي العمل به بسقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة انتقالية وطنية، وأن يكون ذلك بنص واضح لا يقبل التأويل والتسويف.
ثالثاً- الفاعلية والجدوى:
مما لاشك فيه أن "قانون قيصر" سيؤدي إلى انهيار اقتصادي كامل للنظام السوري وللعملة السورية، حيث من المتوقع أن يصل سعر الدولار الواحد إلى حوالي 20 ألف ليرة سورية، إلّا أن انهيار البنية المالية للنظام السوري لا يعني بالضرورة سقوطه أَو أنّه بات على حافة السقوط، لأنّ ذلك مرتبط في اعتقادي بقرار دولي وهو شرط ما يزال غير متوفّر حتى مع إقرار قانون قيصر الأمريكي.
وأعتقد جازماً أنّ هذا القانون لن يضر أركان الحكم في شيء، بل إنّ الضرر سيكون على الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته، حتى مناطق المعارضة في الشمال السوري لن تكون في مأمن نتيجة ارتباطات اقتصادية لا تخفى على أحد، ولنا في تجارب قريبة وبعيدة عبرة، مثل العقوبات على كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران والعراق، فهي لم تؤدّ إلى سقوط أنظمة أو إيقاف مشاريع بل زادت الفقير فقراً والأنظمة بأساً وعدوانا.
خلاصة
لا بد أن نتوقف كثيرا قبل الحديث عن أثر قانون "قيصر" الموعود، كما لابد من مراجعة تجارب سابقة للولايات المتحدة مع قضايا عالمية معاصرة، فالسنوات الـ 8 الماضية ألزمتنا بضرورة إعادة التفكير بتلك المرحلة المستمرة.
من هنا، ما يتضمنه قانون قيصر من إجراءات وعقوبات اقتصادية سيكون لها تأثير كبير على حصار السوريين اقتصاديا، مثلما سيكون حجر عثرة كبيرة أمام محاولات روسيا إعادة تدوير الأسد ومن ثم تأهيله من جديد، ولعل مصادقة وتوقيع الرئيس الأميركي لهذا القانون يوم أمس، يضع مصداقية الإدارة الأمريكية على المحك، ويُعيد إلى الواجهة الجريمة المستمرة وما يقابلها من خذلان دولي يتلاعب بحياة البشر ومصائرهم، ومع كل هذا وذاك فالجرائم التي ارتكبت في سوريا ولا تزال، لا يمكن أن تطويها ذاكرة المجتمع الدولي، ولكن تغليب مصالح الدول على حساب الدم السوري هو ما يجعلنا نبتعد عن العواطف والأماني، حيث لنا عبرة بتجارب كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران والعراق.

مقالات ذات صلة

متزعم ميليشيا محلية يداهم منزلا ويعتقل أربعة شبان في درعا

النظام يستهدف بالمدفعية نقطة مراقبة تركية في إدلب

قناة عبرية تكشف المستور.. إسرائيل توافق على توريد الغاز إلى لبنان عبر سوريا

اغتيا.ل عنصر سابق في "الحر" انتقل للعمل مع النظام في درعا

"رايتس ووتش" تشيد بالحكم على أنور رسلان في ألمانيا

"مسؤول" يكشف سبب نزيف "الكادر الطبي" في سوريا