سوريا بين التلاعب الروسي والتواطؤ الأمريكي - It's Over 9000!

سوريا بين التلاعب الروسي والتواطؤ الأمريكي

بلدي نيوز – (تركي مصطفى) 
الاستراتيجية المتطورة لموسكو وواشنطن في إدارة الملف السوري, هي الصديد أو القيح الذي أفرزته أورام الصراع, والذي تجمع واحتقن ثم انفجر دفعة واحدة في التفاهم الثنائي في هامبورغ, ليشكل نقطة تحول خطيرة في المسار السوري وإلى آماد بعيدة, وسيكون أعمق تأثيرا وأشد فتكا وعلى أكثر من مستوى من كل الهزائم التي لحقت بالتاريخ السوري.

تمهيد
يناقش هذا الملف قطار المفاوضات السياسية ما بعد محطتي "جنيف وآستانة" في إطار العملية السياسية التي أطلقتها واشنطن وموسكو في محطة "هامبورغ" وما انبثق عنها من تلاعب في الصراع السوري وتبدل أماكن اللاعبين, ونمهد لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز لمسار جنيف وأسباب تعطيله والظروف التي أحيطت به، كما نتناول جوانب الحلول خارج الهيئات الدولية خططا وتفاعلات ونتائجا, وانعكاساتها على مجمل الأطراف بما فيها وفد المعارضة ممثلا بالهيئة العليا للمفاوضات ودور روسيا في إجبارها على القبول التدريجي بالإملاءات الروسية بعد فرض منصتي القاهرة وموسكو المتماثلتين مع توجهات نظام الأسد, وندرس الاستراتيجية الروسية المتعجلة في التوصل لتسوية سياسية كما تريدها, وموقف الإدارة الأميركية وخياراتها المحتملة وانعكاسات كل ذلك على ما يجري في الساحة السورية.

مقدمة
مثلت عملية نقل الملف السوري من جنيف وآستانة إلى اتفاق الرئيسين ترامب وبوتين إرباكاَ كبيرا لطموحات المتصارعين في سورية, فنظام الأسد وإيران يعملان على استكمال السيطرة على ما تبقى من الأراضي السورية الواقعة خارج إطار نفوذهما, كما نقلت المواجهة إلى حلبة أخرى أكثر حساسية محليا وإقليميا، تتمايز فيها الجغرافيا والسكان والسياسة، تبدو معها البلاد على شفير حرب ضروس تتمثل بانفجارات داخلية وأخرى إقليمية.
وضعت محطة هامبورغ سورية على كفتي ميزان بين واشنطن كقوة عظمى وموسكو التي تبحث عن زيادة وزنها في الكفة المنخفضة إلى أقل من النصف، مما أفرز كتلا متصارعة في اللوحة السورية, نظام الأسد والإيرانيين ويماثلهما في الاتجاه حزب "ب ي د" المسيطر على "قسد" في مناطق الشمال الشرقي السوري, وكتلة الفصائل المسلحة المصطرعة في المناطق المحررة.
وبدأت المواقف الإقليمية والدولية تميل نحو كتلة الأسد على نحو ما صدر من تصريحات أميركية بتأجيل البحث في عملية الانتقال السياسي, والتركيز على "محاربة الإرهاب" وتثبيت اتفاق تخفيف التصعيد العسكري.
"اتفاق الجنوب" تلقفه الأسد وحليفه الايراني بالدبلوماسية المخاتلة, المعرقلة للتسوية السياسية التي يفهمها الإيرانيون كمقايضة جغرافية منحتهم حرية أوسع في لبنان ومناطق البادية السورية, والقلمون الغربي, بعد إغلاق باب الجولان المحتل ليستمروا في حربهم ضد الثوار في البادية, ويطلقوا عبر ذراعهم "حزب الله اللبناني" معركة جرود عرسال للاستيلاء على مساحة واسعة في هذه المنطقة للتنافس مع إسرائيل، بعد تمددهم وسيطرتهم على مفاصل نظام الأسد السياسي، الذي أضحى بيد الإيرانيين.
بعد تجاوز جنيف وآستانة, فإنّ تجربة الحسم العسكري في تثبيت المناطق المستولى عليها، هي المألوفة في مفهوم روسيا التي تدرك أن من يملك القوة، ويجيد إدارتها بكفاءة وفاعلية، يستطيع الاستيلاء على السلطة, وطي أقوى الوثائق السياسية.
آخر محطات (السلام) هو ما توصل إليه اتفاق هامبورغ بين الرئيسين ترامب وبوتين ابتداء من الجنوب السوري المحاذي للأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل. 
ولكن التخبطات السياسية التي تعاني منها الإدارة الأميركية تبقيها تائهة بين مراوغة إيران وحليفها الأسد, وفصل مصالح الروس عنهما, والتطلع نحو تفاهم مع الروس على اقتسام النفوذ والموارد وإعادة الإعمار في عملية إنتاج جديدة لإدارة أوباما.

أسباب نقل الملف السوري من الأروقة الدولية إلى التفاهمات الثنائية
بعد جولات متعددة متعثرة في محطة جنيف, حاولت روسيا نقل الملف برمته إلى آستانة للاستفراد به, فتشكل مساران للملف السوري, تلاهما تفاهم هامبورغ الثنائي الذي يقتصر على الترتيبات الأمنية والعسكرية, ويتماثل مع آستانة موسكو في الأهداف, ويختلف معه في التمثيل, فإيران خارج اتفاق هامبورغ الذي استكمل في العاصمة الأردنية عمان, فيما انصرفت الأطراف الفاعلة عن مؤتمر جنيف المعطل, واعتبرته ميدانا للمفاوضات السياسية الشاملة, ولكن السؤال الذي يفتح فمه على اتساعه, ما أسباب التلاعب بالملف السوري عبر مسارات سياسية متعرجة في ثلاث محطات متباينة الأهداف؟ 

أولا: تلاعب موسكو بالملف السوري
بدا مسار التفاوض في جنيف تجسيدا لإرادة الأطراف الدولية والإقليمية التي تعمل على إطالة الصراع المسلح لفرض إملاءات على الأطراف الأخرى بصرف النظر عن القتل والتدمير, ومن هنا يتباين تفسير بيانات جنيف من قضايا رئيسية كمسألة هيئة الحكم الانتقالية والموقف من مصير الأسد, وبات ديدن روسيا تمييع القرارات الدولية ونقل الملف السوري برمته من جنيف إلى آستانة, لتعزيز حضورها كدولة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية, وشريكة لها في القضية السورية, وعبرت عن ذلك بوحشية بالغة بعد قيام طيرانها بقصف المدن والبلدات والقرى السورية وتدميرها فوق رؤوس ساكنيها من المدنيين, وتمكنت من إعادة رسم المشهد الميداني بتوسيع جغرافية نظام الأسد والميليشيات الإيرانية التي أطلقت يدها في المناطق السورية المحررة, وشاركت معها في التغيير الديمغرافي الذي شمل مناطق واسعة في الريف الدمشقي وحمص وإدلب, كما انتزعت حلب المحررة من فصائل الثورة المسلحة، لتعود وتنتزع الجنوب السوري من الميليشيات الشيعية الإيرانية بحسب اتفاق الشراكة مع الولايات المتحدة, وتمكنت من التغلغل في جنيف عبر زرع منصتي موسكو والقاهرة, وإزاحة وفد الهيئة العليا للتفاوض كممثل شرعي لمحادثات جنيف كطرف وحيد في تمثيل الشعب السوري الثائر, لتتبنى المنصتان الموقف الروسي بحذافيره وتستمدان قيمتهما من حاجة الروس إليهما, وقامت روسيا بسحبهما من منظومة الأسد  كطرف معارض ضمن محورها تكريسا لاحتلالها سوريا, ودأبت روسيا على تشتيت المعارضة عبر المنصات بهدف التحكم بتحديد المعارضة التي تتوافق ومصالحها, واستبعاد المعارضة الخارجة عن إطار رؤيتها, بعدما بات وفد نظام الأسد دمية إعلامية تعمل موسكو من خلاله على تنصيب نفسها وريثا له بعدما بات ميليشيا كباقي الميليشيات المتوزعة على الأرض السورية, وبالتالي تمكنت روسيا من التلاعب بالملف السوري في كل المحافل الدولية والإقليمية بما يتوافق ومصلحتها.

ثانيا: التواطؤ الأميركي وهزالة مجلس الأمن
تؤكّد شواهد الحراك السياسي المتعلقة بالملف السوري, أن كل رعاة السلام مع الحلول الدبلوماسية التي تقدموا بها لم يسجلوا نجاحا في هذا الإطار وأن خيار الحسم العسكري الذي دعمته روسيا ولما تزل, هو الفيصل لتعزيز قبضة الأسد على السلطة كواجهة للاحتلال الروسي, وعبرت عن ذلك في استخدامها حق الفيتو بشكل متكرر في الاجتماعات التي دعا إليها مجلس الأمن لمناقشة الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد مما يشير إلى هزالة مواقف أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية في ظل مراهنات على تعديل موقف أميركا لوضع حد لمأساة الشعب السوري, وهو مالم تفعله إدارة أوباما, فالمساعي الدبلوماسية المصحوبة باحتجاجات دولية ضد التصعيد العسكري الروسي, والحراك الدبلوماسي الدولي في جنيف ولوزان, لا يتجاوز الحفاظ على ملف الصراع في سوريا مفتوحاً بانتظار الإدارة الأميركية الجديدة،  فتمسكت إدارة أوباما بالشرعية الدولية ودخلت  في مساوامات مع الروس في الوقت الذي تدخلت في ليبيا عسكريا دون الالتفات إلى الشرعية الدولية وفعلت مثل ذلك في قضايا عالمية أخرى,  لذلك فإن روسيا باستخدامها الفيتو في أكثر من مناسبة ضد المشاريع المقترحة لوضع حد لمعاناة السوريين, كشف استحالة الوصول إلى حل عبر الأمم المتحدة العاجزة سواء لصالح قوى الثورة أو نظام الأسد, وبعد أفول إدارة أوباما, وتسلّم إدارة دونالد ترامب زمام الحكم، وجه رسالة للروس بلغت أوجها في الضربات الصاروخية التي استهدفت مطار الشعيرات العسكري, ليخبو الزخم الأميركي بعد التصريحات المتكررة لترامب وفريقه حول أولوية محاربة الارهاب وعدم اعتبار تنحي الأسد "الحيوان" كما وصفه رأس الإدارة الأميركية, شرطا للمفاوضات, كما شكل لقاء ترامب بالرئيس الفرنسي الجديد في باريس منعطفا جديدا في الرؤية التوافقية بين باريس وواشنطن حول مصير الأسد بعد تصريح الرئيس الفرنسي ماكرون أن الأسد ليس عدوا لفرنسا, كما لم يتطرق ترامب في قمة الرياض ولو بالإشارة أو التلميح إلى مصير الأسد, وجاء لقاء هامبورغ الذي جمع بوتين وترامب وما صدر عنه من تفاهم في جنوب سورية يدلل على تواطؤ أميركي مع الروس حول مستقبل سورية ونظام الأسد الذي تتمسك به روسيا واجهة لاحتلالها.
ووفق التطورات الجارية فالمصالح الدولية هي التي تتحكم في المسار السوري بصرف النظر عن الجرائم المرتكبة يوميا ضد المدنيين في سوريا, ولم يبق أمام الشعب السوري الثائر من خيار سوى مواصلة طريقه في التصدي للعدوان الروسي بوصفه قوة احتلال بعد فشل الإرادة الدولية عبر الأمم المتحدة في التوصل إلى حل استنادا للقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، ويبقى السؤال مفتوحا كيف نتصدى للمحتلين؟ .

ثالثا: الاقتتال الفصائلي وانحسار الرقعة المحررة
شكلت الانكسارات العسكرية المتتالية بعد خسارة مدينة حلب في قسمها المحرر, وما تلاها من معارك في ريفي دمشق وحماة, تزامنا مع عمليات التهجير المنظم, وتفاعلات مؤتمر الآستانة, دفعا قويا على شكل استقطابات حادة بين الفصائل المسلحة, وفي الطرف السياسي المعارض تفاقمت الهوة بين التيارات المتباينة, لتنشأ كيانات سياسية كالهيئة العامة للثورة السورية والمجلس الوطني السوري, وائتلاف قوى الثورة, وصولا إلى المنصات المختلفة والدخيلة على المعارضة, والصراعات الناشبة بين حق التمثيل في المؤتمرات الدولية من دونه, والاستقطابات الإقليمية التي لعبت دورا سلبيا على المستويين السياسي والعسكري أدت إلى فشل الكيانات العسكرية الثورية والسياسية بالتوصل إلى برنامج عمل جماعي لإدارة المواجهة ضد الأسد وفي إدارة المنطقة المحررة في ظل غياب عمل مؤسساتي فكان الخيار, الالتفاف حول الفرد وتكريسه قائدا, أو أميرا دون ضوابط تنقله إلى حيز العمل الجماعي, ليبرز عامل آخر متمم للفردية, تمخض عن تكاثر الكتائب الثورية تحت مسميات متعددة, وانحيازها عن عباءة الجيش الحر, مثل "سرية الإسلام وكتائب الفاروق وأحرار الشام وشهداء دوما والزاوية والدروع وجبهة النصرة", حتى تجاوزت أسماء الفصائل أكثر من 100,  لتبدأ عملية التناحر الفصائلي إعلاميا وسياسيا, وتنتهي بمواجهات دامية بين كتائب الفاروق وأحرار الشام للسيطرة على معبر باب الهوى, تلاه صراعات فصائلية  محلية كالصراع بين "صقور الشام وشهداء سورية" في منطقة جبل الزاوية, وبين "جبهة النصرة" وكتائب أخرى في درعا, يرافق ذلك حرب إعلامية فصائلية في أعقاب الخسائر في معارك ضد نظام الأسد والميليشيات الشيعية. وأعنف تلك المواجهات الصراع بين "فتح الشام", ومجاميع الجيش الحر بعد خسارة حلب, وما شهدته غوطة دمشق بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن, وأحلاف كل منهما, وأخيرا وليس آخرا الصراع بين "هيئة تحرير الشام", وحركة أحرار الشام, يقابل هذا التناحر الدامي تمدد نظام الأسد والميليشيات الشيعية في البادية السورية وفي جرود عرسال في منطقة القلمون على حساب تراجع وانحسار المناطق المحررة.

خلاصة
إن تلاعب روسيا بالملف السوري, وتعزيز حضورها كدولة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية, وشريكة لها في القضية السورية, وتواطؤ الولايات المتحدة وميوعتها, والتناحر الدامي المتكرر بين فصائل المعارضة المسلحة, وانعكاسات أزمة الخليج الراهنة على المشهد السوري, يدل على تعويم نظام الأسد, وتفتيت سورية إلى كيانات متصارعة تتقاسم السيطرة عليها كلٌّ من روسيا والولايات المتحدة بما يتوافق ومصالحهما المشتركة في المنطقة, لذلك يجري التفاهم بين موسكو وواشنطن خارج الأمم المتحدة وقرارات مؤتمرات جنيف المعطلة إلى إشعار آخر.

مقالات ذات صلة

طبيب يكشف موعد إعطاء الجرعة الأولى من لقاح كورونا للأميركيين

علماء يكشفون عن الرابط بين كورونا والتدخين

مخاوف في أوروبا وطهران من ضربة أمريكية لإيران قبل مغادرة ترامب

بعد نجاح التجارب.. لقاح فايزر يدخل "مرحلة الحسم"

"بيدرسن" يزور موسكو لمناقشة الملف السوري

"الكونغرس" يمرر تعديلا قانونيا يزيد الضغوط على "الأسد"