منبج: ملتقى جيوش العالم لرسم الخرائط بالنار - It's Over 9000!

منبج: ملتقى جيوش العالم لرسم الخرائط بالنار

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

تُعدُّ منطقة منبج مفتاحا رئيسياً في عملية "درع الفرات" لاستعادة المناطق السورية التي تحتلها وحدات الكرد الانفصالية وقوات نظام الأسد مع الميليشيات الإيرانية, وتنظيم "الدولة" المتقهقر, لتواجه عملية "درع الفرات" القوى الإقليمية والدولية التي تحول دون تحقيق الجيش الحر لأهداف هذه العملية.
منبج بين لعبة التفتيت وإغراءات التقسيم
استطاع الجيش الحر بالتنسيق مع القوات التركية الخاصة في عملية "درع الفرات" التي انطلقت في آب / أغسطس من العام الماضي تطهير مدينة الباب من تنظيم "الدولة" في إطار الحرب الناشبة في ريف حلب الشمالي الشرقي ذات الأبعاد الإستراتيجية سياسيا وعسكريا, والمتصلة بنتائج وأهداف متباينة بين الحلفاء الأعداء من كل جوانبها وخططها العسكرية ونتائجها وآفاقها المحتملة التي دخلت خط المواجهة المسلحة بعد تقهقر تنظيم "الدولة" باتجاه "عاصمته" السورية الرقة, والتواطؤ العلني بين قوات نظام الأسد والوحدات الكردية الانفصالية لبتر ذراع "درع الفرات" ومنعه من التقدم باتجاه الرقة أو منبج, مما أثار جدلا حول تعثر التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية, حيث حركت روسيا وواشنطن وكلاءهما من مرتزقة إيران وقوات "قسد" عند الحدود الإدارية لمنطقة منبج, وهذا ما أثار غضب أنقرة والجيش الحر  ليلتقي جميع الفرقاء "الجيش السوري الحر, والوحدات الكردية الانفصالية, وقوات نظام الأسد وميليشيات إيران" وجها لوجه في حيز جغرافي صار أشبه ببرميل بارود يحتاج لشرر ليكون الانفجار الكبير هناك على بوابة منبج العربية التي باتت مقدمة بين لعبة التفتيت وإغراءت التقسيم.
منبج في بعدها الاستراتيجي لعملية درع الفرات

المدينة العربية التي تعرف بمدينة الآلهة والتاريخ والأدب فتحت صدرها لتضم أبناءها المنضوين تحت راية الجيش السوري الحر ليتفاجأ جميع المراقبين بعلم الولايات المتحدة يرفرف على أطرافها الغربية في رسالة صارخة لمنع حملة "درع الفرات" من دخول مدينتهم المحتلة من قبل القوات الانفصالية الكردية.
يمكن وصف منطقة منبج بأنها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرًا في الخاصرة الطبيعية لتركيا؛ فموقعها المشاطر للحدود مع تركيا, والواصل بين منطقتي عفرين وعين العرب "كوباني"، أعطاها أهمية كبيرة في دغدغة حلم الأكراد الانفصاليين, وما يتبع ذلك من قيمة استراتيجية وجيوستراتيجية. كما أن إطلالتها على نهر الفرات عبر جسر قراقوزاق, وجريان الساجور من طرفها الشمالي, ونهر الذهب في جنوبها الغربي, أعطاها ميزة اقتصادية في ظروف الحرب الدائرة.
كما تكمن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة منبج, كونها إحدى أهم نقاط الوصل والفصل الجغرافي بين ما يسمى بمنطقتي غرب وشرق الفرات, ويعزِّز هذا الموقع السيطرة على شبكة من الطرق البرية الواصلة بين المناطق المترامية الأطراف.
عسكريًّا: تكتسب المنطقة أهمية استراتيجية في ظروف الصراع المركب لاسيما بعد تحرير  الجيش السوري الحر لغالبية المنطقة والتحكم بالمنافذ الحدودية مع تركيا "جرابلس - باب السلامة" وطرد تنظيم "الدولة" من المنطقة الحدودية, بالإضافة إلى السيطرة على طرق إمداد الكيان الكردي الحالم بالانفصال، إلا أن حجم ذلك التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بالمنطقة وطرق توظيفه.
سياسيا: ما أنجزه مؤخرا الجيش الحر في عملية تحرير الباب نال تقدير الطبقة السياسية السورية المعارضة والحاضنة الشعبية للثورة السورية وغالبية أبناء المنطقة التي ترى في تنظيم "الدولة" المصنف إرهابيا, وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD، ذي التوجهات الإيديولوجية الشيوعية الماركسية لحزب العمال الكردستاني بفروعه وتوابعه، وممارسته للقتل والإرهاب، وقوات نظام الأسد المدعومة بالميليشيات الإيرانية، قوى احتلال.
هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي ركز عليها الأكراد الانفصاليون وقوات نظام الأسد، استماتتهم في إحكام القبضة على المنطقة، والسعي لإخضاعها كاملة، بوصفها مركز ثقل جغرافي مثلما أنها مركز ثقل سكاني, ومصدرا داعما للثورة.
في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع هذه المنطقة من قبل الروس والأميركيين بقطع الطريق أمام "درع الفرات" كخطوة عسكرية في تمكين وكلائهم على تلك المنطقة, وحرمان أنقرة من التواصل برا مع العالم العربي.

منبج: مركز صراع الحلفاء - الأعداء

اطمأنت الوحدات الانفصالية الكردية لحالة توقف الجيش السوري الحر في عملية "درع الفرات" من التوجه شرقا باتجاه منبج بعد تقدم قوات نظام الأسد وميليشيات إيران في قرى شرق الباب وقيام قوات سوريا الديمقراطية "قسد" برفع علم نظام الأسد فوق قرى ريف منبج الغربي, فحركت الوحدات الانفصالية الكردية مراكز القوى لتوظفها في حمأة المشهد المتشح بالدم, وهذه  لعبة سياسية لتوظيف الصراعات القائمة لأهداف آنية يحاكي فيها انفصاليو الكرد سياسة الأسد القائمة على اللعب منذ بداية الثورة السورية.
فمنذ إعلان الجيش السوري الحر في عملية "درع الفرات" بمساندة تركيا بدا مؤشر الاتجاه في بوصلة التحالفات في هذه المنطقة يشير إلى الخصوم التاريخيين في الإقليم الملتهب في نهج التذكير بالخدمات التي أسدتها الأطراف المتصارعة, حيث لم يجد انفصاليو الكرد والأسد وحلفاؤه الإيرانيون سوى الخطاب التمجيدي والردح المتكرر "الحرب ضد الإرهاب" حدا بلغ مبلغ الكيد السياسي المبتذل.
أخطر التحالفات المتجددة (الأسد وإيران والكرد) ما تكشف عنه مجريات الأحداث بحيث توظف قضية الحرب ضد الإرهاب للدفع بالمنطقة إلى الحرب المفتوحة, ودأب إعلام هذا المحور على دق طبول الحرب باستجداء روسيا والولايات المتحدة للوقوف معهم, وهم يدركون أن حقيقة الصراع يتخطى الحرب على تنظيم "الدولة". والأتراك ومعهم "درع الفرات" يعلمون أن التحالف مع الأكراد والميليشيات الإيرانية في الحرب ضد تنظيم "الدولة" خطأ فادح وهذا ما صرحت به أنقرة على لسان بن علي يلدريم رئيس الحكومة الذي قال إن بلاده لن تشارك في أي عملية عسكرية محتملة في الرقة في حال مشاركة حزب العمال الكردستاني بنسخته السورية.
في غضون ذلك أعلنت وزارة الدفاع الأميركية, أن جيشها نشر عددا صغيرا من جنوده في منبج بهدف الردع ومنح الثقة، مؤكدة أن تلك القوات ليس لها صلاحية الدخول في مواجهة مع قوات أخرى. وقال جيف ديفيس الناطق باسم البنتاغون: "لسنا هناك من أجل الدخول في اشتباكات مع أحد نحن هناك لتذكير الجهات التي تريد خوض اشتباكات بأنه ينبغي أن تكون الحرب ضد داعش".
من ناحيتها تساءلت أنقرة كيف تحارب واشنطن تنظيم "الدولة" الإرهابي بالتحالف مع تنظيم إرهابي آخر؟ 
كانت تهديدات أنقرة بأن منبج ستكون الخطوة التالية ضمن معارك حملة "درع الفرات" هو ما أجبر واشنطن على الدفع بتعزيزات إلى المنطقة تزامنا مع الإعلان عن اتفاق مع روسيا لتسليم القرى على الخط الأمامي مع "درع الفرات" لقوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية, وهذا ما أكدته الوحدات الانفصالية الكردية بأن ميليشيا مجلس منبج العسكري سلم القرى لقوات نظام الأسد لتكون بمثابة قوات فصل بين الجيش السوري الحر ووحدات الأكراد. وهذا يكشف مدى التحالف القائم بينهما بكفالة موسكو وواشنطن, وستكون منبج على شاكلة ثنائية السلطة في محافظة الحسكة.
درع الفرات وسط غابة من المتوحشين

المعارك التي خاض غمارها الجيش الحر في عملية "درع الفرات" شمال سوريا تمثلت بطرد تنظيم "الدولة" وملاحقته إلى أبعد مكان في سوريا, فاستشعرت الولايات المتحدة بخطر يهدد مصالحها الإستراتيجية التي تقضي بمنع تنامي أي قوة سنية في المنطقة, فانتهزت الوحدات الانفصالية الكردية الفرصة في عقد صفقة مع قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية لتجنب الصدام مع القوة الصاعدة لدرع الفرات, فكان لزاما على الجيش الحر وحليفه التركي التنبه لعدم التعويل على الموقف الدولي المتوحش الذي يزيد من تعقيدات تدخلات الأطراف الإقليمية المتناحرة لجعل هذه المنطقة ساحة صراع بين الأتراك وباقي المتحالفين من إيرانيين وكرد, والغريب أن تركيا تتغاضى عن أخطر الأوراق التي تمس كيانها السياسي بالرهان على تفاهمات مع موسكو وواشنطن تجسدت في اجتماع رؤساء الأركان, وبذلك فإن أنقرة تتآمر على ذاتها بذاتها وستخسر في النهاية كل شيء عندما تجد نفسها أمام وضع يتطاير شرر نيرانه ليحرق من حوله بما فيها أنقرة إن لم تدرك بعمق أهمية الجيش الحر في عملية "درع الفرات" التي قطعت ذراعه بتواطؤ قوات نظام الأسد والوحدات الانفصالية الكردية بعد اتفاقهما العلني القاضي بإقامة ساتر يمتد من جنوب الباب إلى قرى ريف منبج الغربي لقطع ذراع الجيش الحر في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تداعى إليها كل المتوحشين.

درع الفرات والحليف التركي: تكرار الرهان وتكرار الخطأ

إزاء المشهد الميداني في ريف حلب الشرقي يكون انفصاليو الأكراد تمكنوا عبر تحالفاتهم من وضع نظام الأسد بمواجهة الجيش السوري الحر في ريف منبج الغربي إذا يتطلب المسير شرقا نحو منبج الاصطدام بقوات الأسد وميليشيات إيران, وبالتالي سيكون الجيش الحر بمواجهة روسيا والأميركيين الذين نشروا قوات عسكرية في منبج ومحيطها من الجهة الغربية مما جعل تركيا في حيرة من أمرها، فهي لا تستطيع معاداة موسكو وواشنطن حتى لو فقدت منبج, وأظهرت الخارطة الميدانية حاجة انفصاليي الأكراد لنظام الأسد انطلاقا من الحصار الذي يعانيه كانتون الجزيرة السورية بحيث تصعب مهمة التواصل مع كانتون عفرين, إذ يتموضع جنوبا تنظيم "الدولة", ويسيطر غربا "درع الفرات", وللتواصل بين الكانتونات الانفصالية لابد من المرور عبر منافذ نظام الأسد الذي يحتاج هو الآخر للنفط والغاز الذي يسيطر عليه كرد الحسكة, ويحتاج أيضا لحبوب الحسكة, وخط اتصال مع العراق فإيران, لذلك فطريق الإمداد الممتد من الحسكة إلى حلب يعد بمثابة شريان لكانتونات الأكراد, وكلاهما يتشارك الخصومة مع تركيا التي تعتبر وحدات الكرد الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تدرجه أنقرة على لائحة الإرهاب.
من مواقع القوة التي تتحكم بها قوات نظام الأسد بعد تمددهم شرقا باتجاه منبج والتوغل باتجاه الرقة سيطروا على طريق الجزيرة - حلب عبر مدينة منبج الواقعة تحت نفوذ الوحدات الانفصالية الكردية مما أعطاهم ميزة استراتيجية للتحكم بالمعركة المحتملة إن حاول الجيش الحر في عملية "درع الفرات" التوجه نحو منبج.
من هنا نبرز ملامح المواجهة بحسب الثقل الجغرافي والتحكم بطرق الإمداد. فالولايات المتحدة تعترف فقط بالوحدات الانفصالية الكردية في قدرتها على محاربة تنظيم "الدولة", وتدعم علانية خط الخلاص من الجيش الحر في عملية "درع الفرات". ويبقى السؤال: أين الموقف التركي, وهل يميل إلى إهمال هذه المنطقة الملتهبة بعد أن أسقط التواطؤ بين الأسد والوحدات الكردية دور الجيش الحر في متابعة أعماله العسكرية؟. 
في ميزان "درع الفرات" وما يسانده يمكن ضمان الحاضنة الشعبية إلى جانبه, فالوحدات الانفصالية الكردية منذ احتلالها المناطق السورية قامت بعمليات تطهير عرقي على نطاق واسع, وصادرت الحريات العامة دون تمييز بين الأعراق بما فيهم الأكراد الرافضون لتوجهات تلك الوحدات.
يبقى الخيار أمام الأتراك مساندة الجيش الحر في استعادة مدينة منبج سواء عبر التفاهمات مع واشنطن, أو استخدام خيار الحرب, فلا تزال تركيا تملك أوراق ضغط من خلال تحريك الفصائل الإسلامية والجيش الحر لقطع الطريق الواصل بين نبل والزهراء وبين مدينة حلب, لتضمن أنقرة الفصل النهائي بين كانتونات الجزيرة وكانتون عفرين, وهذه الخطوة لا تواجهها روسيا حتى ولو سحق الأتراك الوحدات الكردية, بينما تقف واشنطن بقوة أمام أي هجوم ضد وكلائها الأكراد بدون ثمن, من هنا جاء اجتماع رؤساء الأركان (روسيا, أميركا, تركيا) في أنطاليا التركية لتهدئة الأوضاع الملتهبة مع إصرار تركيا على إبعاد الوحدات الانفصالية إلى شرق نهر الفرات.
وفي هذا الصدد جاء تصريح بن علي يلدريم في أن تركيا لن تطلق لوحدها عملية السيطرة على منبج في شمال سوريا من دون التنسيق مع روسيا والولايات المتحدة.
وبهذا, فإن سياسة تركيا وموقفها يدلان حتى الآن على صعوبة تجاوبها مع رهان موسكو, كما ثبت خطأ رهان البناء على سياسة واشنطن ودورها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

نظام الأسد يحصل على عضوية السكرتارية العامة في مجلس "السلم" العالمي

إلغاء تسيير دورية روسية - تركية شرقي حلب

"أردوغان" يدعو الدول الإسلامية إلى دعم الحل السياسي في سوريا

أردوغان: العلاقات مع "سوريا" يمكن أن تعود إلى نصابها في المرحلة القادمة

"أردوغان": تركيا حددت عملياتها خارج حدودها ولا أحد يستطيع إيقافها

تركيا.. توقيف 16 شخصاً يشتبه بانتمائهم إلى "ب ي د"