الصراع على سوريا.. إيران والانفصاليون أبرز الخاسرين - It's Over 9000!

الصراع على سوريا.. إيران والانفصاليون أبرز الخاسرين

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)
تُعدُّ سوريا مدخلا أساسيا في الصراع الجاري محليا وإقليميا ودوليا, تتشبث الأطراف المتصارعة للفوز بالحصة الأكبر بعد موقف الدول الكبرى التي حالت دون حسم المعركة لتجعل الصراع مفتوحا بشقيه العسكري والسياسي.
وتناقش هذه الورقة المعركة السياسية الدائرة في سوريا بين القوى الثورية السورية السياسية والمسلحة من جهة, ونظام الأسد, وداعميه من الروس والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى, والدور الدولي والإقليمي في إدارة هذا الصراع المتعدد الأطراف (تركيا وإيران والولايات المتحدة وروسيا) في إطار الحرب الناشبة في سوريا منذ ست سنوات، وتُوطِّئ لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز للأهمية الاستراتيجية لسوريا، في البعد العسكري ذي الصلة بنتائج وأهداف الحرب.
ثم تتناول بالتحليل، جوانب هذا الصراع، أطرافًا، وخططًا، وتفاعلات، ونتائجاً، ونقف على مجرياتها الآنية, وآفاقها المحتملة، اعتمادًا على توجُّه إدارة هذا ا لصراع ومحركاته, التي جعلت من سوريا مناطق نفوذ دولي وإقليمي إثر تفاهمات لم تتبلور بين أطراف الصراع التي تسابق الزمن لتحقيق مصالحها عبر آليات إيديولوجية وبراغماتية متصارعة فيما بينها, متفقة على تقاسم النفوذ والسيطرة على بلد مدمر. 
مقدمة 
ست سنوات على دخول سوريا خط المواجهة المسلحة بين قوات نظام الأسد وحلفائه من جهة, وفصائل الثورة السورية المسلحة من جهة أخرى. إذ تمكنت الأخيرة من تحرير غالبية الأرض السورية رغم تدخل الميليشيات الطائفية التابعة لإيران, ومساندتها قوات الأسد, وكذلك الفصائل الكردية الانفصالية المدعومة عسكريا من نظام الأسد منذ العام 2013م.
أمام تسارع انهيار نظام الأسد تدخل الروس عسكريا لإنقاذه من السقوط وفي هذا الصدد صرح لافروف وزير الخارجية الروسي بقوله: "لولا تدخلنا لسقطت العاصمة دمشق بيد المسلحين خلال أسابيع"، وفي ذات السياق أوضح ملالي طهران أنهم منعوا سقوط الأسد, ليكذبهم الروس من خلال بيان جاء ردا على التصريح الإيراني, إذ حقق الروس نتائج كبيرة من خلال الطيران وسياسة الأرض المحروقة, فخسرت فصائل الثورة مناطق عديدة في ريف اللاذقية الشمالي والشمالي الشرقي وفي محيط العاصمة دمشق, وكان أكثرها كارثية سقوط القسم المحرر من مدينة حلب.
أمام هذا التحول العسكري المفاجئ، لا شك أن تغيرًا طرأ على نمط التفاهمات, والخطط والإمكانيات ومواقف أطراف الصراع من حلفاء وفرقاء, ولا تزال مثار جدل حول المشاريع السياسية بين روسيا وحلفائها من جهة, والولايات المتحدة وشركائها على الأرض السورية من جهة أخرى عبر دعوات الروس إلى تسوية سلمية حيث جمعت أطراف الصراع في أستانا الكازاخية وفق مصالحهم في ترسيخ وجودهم العسكري في مياه المتوسط السورية الدافئة, ورؤية الإدارة الأميركية الجديدة عبر دعوة الرئيس ترامب لإقامة مناطق عازلة, بالتركيز على دعم الوحدات الكردية الانفصالية لحماية القواعد الأميركية في "رميلان" حيث آبار النفط السورية, وانعكاسات ذلك على أنقرة الرافضة لأي وجود كردي سياسي على حدودها, وتوتر إيراني جراء محاولة موسكو وواشنطن العمل على تحجيم دورها في سوريا.
الأهمية الاستراتيحية لسوريا
يمكن وصف سوريا, بأنها الجزء الشرق أوسطي الأكثر حساسية وتأثيرًا في الإقليم, فموقعها المشاطئ للبحر المتوسط، في الجزء  الغربي للبلاد، عبر محافظتي اللاذقية وطرطوس، أعطاها إطلالة بحرية واسعة للاتصال بالدول الأوربية، كما أنها تشكل ممرا بريا بين الشرق والغرب عبر تركيا, يضاف إلى ذلك تنوع تضاريسها بين السهلية والجبلية، واحتواؤها على كميات كبيرة من النفط والغاز, وتنوع محاصيلها الزراعية أعطاها ميزة اقتصادية، وهي ميزات لها أهميتها الكبيرة في مختلف الظروف.
لذلك، كان من أولويات العملية العسكرية الروسية، منذ أيلول سبتمبر 2015، السيطرة على منطقة الساحل السوري وإقامة قاعدة عسكرية بحرية مقابل مدينة طرطوس, وأخرى برية جوية في منطقة حميميم القريبة من مدينة اللاذقية، كما استولى الأميركان على منطقة الحسكة وأقاموا قاعدة عسكرية في رميلان المشهورة بآبار النفط, وأخرى إلى الشرق من مدينة عين العرب, وبذلك تقاسم الأميركان والروس السيطرة على شرق وغرب سوريا عبر أدواتهما من ميليشيات إيرانية وكردية تزامنا مع التركيز على تدمير الحواضر السورية بحجة محاربة الإرهاب.
كما تكمن الأهمية الاستراتيجية لسوريا، في كونها إحدى أهم نقاط الوصل والفصل الجغرافي بين أوربا والعراق فإيران, كما يعزِّز هذا الموقع سيطرتها على شبكة من الطرق البرية الدولية، كالطريق بين بيروت ودمشق المؤدية إلى العراق فإيران, والطريق الرئيسة الرابطة بينها وبين أنقرة  إلى عمان فدول الخليج العربي، وطرق أخرى تربط بين محافظات القطر تكتسب أهمية استراتيجية في ظروف الحرب الجارية.  
هنا، تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي ركز عليها الروس بالتوافق مع الأميركان عبر تفاهمات كيري - لافروف استماتتهم في إحكام القبضة على مدينة حلب وإخضاعها بالكامل بوصفها حاضرة الثورة الكبرى, ولأنها مركز ثقل سكاني, والتركيز على مناطق الثورة وتدميرها كجبل الزاوية بوصفها تجمعا جماهيريا داعما للثورات الكبرى على امتداد التاريخ السوري القديم والحديث والمعاصر. كالثورة ضد الاحتلال الفرنسي, والانتفاضة ضد الأسد الأب عام 1980م.

موسكو – واشنطن.. تقاسم نفوذ وصراع مصالح
يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعامل مع القضية السورية بعقلية القيصر بهدف إعادة أمجاد بائدة بإيديولوجيا مغايرة, بالتوافق مع الولايات المتحدة التي يصورها بعض القومجيين والممانعين بهزيمة واشنطن أمام الدب الروسي في الشرق الأوسط, في الوقت الذي بات فيه التنسيق الروسي- الإسرائيلي تنسيقا كاملا تضمهما غرفة عمليات مشتركة بالتعاون مع إيران, فالمحرك الإسرائيلي هو الضابط والضامن لمصالح واشنطن وروسيا في المنطقة, واللقاءات الروسية - الإسرائيلية السابقة للتدخل الروسي العسكري في سوريا ترجمها وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق جوزيف ليبرمان بقوله: "إن التنسيق الروسي الإسرائيلي في سوريا يجري على مدار الساعة وسبعة أيام في الأسبوع", وبما أن الولايات المتحدة شريك أصيل لإسرائيل, فالتدخل الروسي في سوريا جاء بموافقة إسرائيلية ومباركة أميركية, واضعة روسيا نفسها "مقاولا" لواشنطن وتل أبيب عندما ضغطت على الأسد لتسليمه السلاح الكيماوي الاستراتيجي, وجاء اتفاق (كيري- لافروف) أشبه باتفاقية سايكس بيكو لتقاسم النفوذ والثروات, وتمزيق سوريا بين الأميركان والروس في لعبة واضحة هي تبادل المصالح بين الطرفين مع فوز واشنطن بحصة الأسد, لأن التصنيف الروسي في المقاييس الدولية مجرد دولة إقليمية, وليست قطبية بحسب ناتجها المحلي قياسا لأي من الدول الأوربية, فالطيران الحربي الروسي الذي دخل أتون الصراع السوري وما فعله من خراب ودمار كان برضا الإسرائيليين وموافقة الولايات المتحدة, ولو أرادت واشنطن إخراج الروس من سوريا ودحرهم لسلمت المعارضة السورية صواريخ مضادة للطيران, ولكنها لم تفعل.
خطط ترسيم النفوذ الأميركي - الروسي في سوريا
يدرك الروس أنهم عاجزون عن مواجهة الولايات المتحدة عسكريا, لذلك جاءت تفاهمات كيري - لافروف في هذا المنحى, ولم تبتعد الإدارة الأميركية الجديدة عن سياق هذا التفاهم, بصرف النظر عن المشادات الإعلامية التي هي بمثابة وسيلة للاستهلاك الإعلامي, بينما الموقف الرسمي  يتجلى في خدمات استراتيجية متبادلة بين الطرفين في سوريا خاصة, وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. وفي التفاهمات الأميركية - الروسية الأخيرة جاء الاتفاق على بيانات مشتركة تقضي بأن يكون الحل السياسي  في سوريا يخص السوريين وحدهم بمعنى إبعاد أي دور إقليمي في سوريا المستقبل مع التركيز على حفاظهما للأمن القومي الإسرائيلي من خلال فدرلة سوريا أو تقاسمها مناصفة كما هو الوضع الراهن, حيث لروسيا الساحل السوري وحلب وادلب تتصرف في هذه المنطقة كما تشاء وترسيخ قواعدها في الساحل السوري, وللولايات المتحدة السيطرة على المنطقة الشرقية مع توسيع قواعدها بمنطقتي رميلان وكوباني.
أدوات تحقيق المصالح والسيطرة
كشفت المعارك في سوريا عن وجوه كثيرة من التقارب والتباعد بين الأدوات الأميركية ممثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي, وبين الروس وحلفائهم الإيرانيين, ولعل الصورة تبدو للمراقب الخارجي مثالية, ولكن النتائج لا تخلو من تصادم بين الحلفاء حول النفوذ والسيطرة, وفيما يلي سيجري الوقوف على كل هذه المفردات بالقدر الذي يرصد مآلات الوضع ويقف على تفاعلاته

إيران
مرت أكثر من ثلاث سنوات على التدخل العسكري الإيراني في سوريا, ولم تستطع التقدم على الأرض إلا بعد التدخل المكثف للطيران الروسي الذي اتبع سياسة الأرض المحروقة في إطار الحرب العدوانية ضد المدنيين, بغية تحقيق نصر عسكري يدخل في الحسابات الدولية, لذلك أوقفت روسيا عدوانها عند أول تسوية في حلب, بينما كانت إيران تعمل جاهدة على ارتكاب مذبحة كبيرة تطال كل المدنيين لأسباب مذهبية, ومن هنا  يتضح تباين أهداف إيران الايديولوجية, والمصالح الروسية, وأصبحت الخلافات بينهما تظهر علنا إثر اتفاق حلب الذي أوقف الحرب, وأفضى إلى تهجير المدنيين والمسلحين من المدينة دون علم إيران وحليفها نظام الأسد, ولما حاولت إيران إفشال الاتفاقية استهدف الطيران الحربي الروسي مقرات الحرس الثوري الإيراني وميليشيا "حزب الله" اللبناني في منطقة الراشدين ومحيط مدينة حلب.
حيال هذا الخلاف المعلن الذي تجسد في حلب لاشك أن ما يجري هو استمرار متصاعد للخلاف الروسي الإيراني منذ التدخل الروسي, وعبر عن ذلك كلا الطرفين سواء في قضية الأسد من حيث استمراره في السلطة أو مستقبل الميليشيات الإيرانية, أو العلاقة الروسية الاستراتيجية مع إسرائيل, وأطماع إيران في الحصول على منفذ بحري في سوريا, ولا شك أن تغييرا طرأ على نمط التعامل الروسي مع إيران وفق تفاهمات مع الولايات المتحدة وإسرائيل, وتركيا, في إشارة إلى أن القرار بيد روسيا وما على إيران سوى التنفيذ, وتعهدت روسيا لأطراف الصراع المختلفة بتحجيم الدور الإيراني المتعاظم في سوريا, ومهدت الطريق لذلك بشراء ولاءات ميليشيات الشبيحة وتحويلهم من الحضن الإيراني إلى الحظيرة الروسية عبر إمدادهم بالمال والسلاح, وتمكنت من جذب أذرع عسكرية مختلفة المنابت والأهواء, وإن تحول العلاقات الروسية الإيرانية في أبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية, بدأت بالظهور منذ التدخل العسكري الروسي في سبتمبر/أيلول عام 2015م, وذلك لعدة أسباب يقف على رأسها: الخلاف حول مصير الأسد، حيث يمكن وصف هذه النقطة الخلافية بأنها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرا في العلاقات بينهما, فإيران ترى في بقاء الأسد خطا أحمر لا يمكن تجاوزه, بينما روسيا لا تتمسك بالأسد ولا تمانع في رحيله في أول تفاهم دولي مع الولايات المتحدة لحل سياسي للملف السوري, وقد صرحت إيران في أكثر من مناسبة أن موقفها غير متطابق مع روسيا حيال مستقبل الأسد, وكذلك الخلاف حول مستقبل ميليشيا "حزب الله" في سوريا, وتسهيل روسيا لإسرائيل استهداف قادته من خلال اتفاق أمني بين موسكو وتل أبيب, كما أن الخلاف أيضا حول طبيعة الدولة السورية المقبلة, كنتيجة من نتائج الحرب الدائرة, فإيران تعمل على استعادة نظام الأسد لكامل الأرض السورية, لضمان هيمنتها على حدود دولة الأسد, وقد صرح رأس النظام الإيراني حسن روحاني أن التنسيق مع روسيا لا يعني أن طهران توافق على كل خطوة تقوم بها موسكو في سوريا, وتصر روسيا على إمكانية إنشاء جمهورية فيدرالية وتدرك أن اهتمامات إيران تندرج للتوسع في المنطقة ولا تتعدى منافستها لتركيا وإسرائيل والسعودية. وتعلم أن إيران تدور في فلك السياسة الأميركية وخاصة في التعاون على مدى عقود في أفغانستان والعراق واليمن والبحرين ولبنان وفلسطين وسوريا, وموقف أميركا المتواطئ مع إيران في ملفها النووي , وما الشتائم الإعلامية الإيرانية ضد أميركا إلا وسيلة للاستهلاك الإعلامي المحلي, بينما الموقف الرسمي الإيراني يتجلى في خدمة الاستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
ولذلك فإيران دولة هشة ذات بناء عمودي بينما تشكل أفقيا حالة من الفراغ وعندما تتوقف الحرب تنهار تلقائيا, وهذا ما تدركه واشنطن وموسكو في تعاطيهما مع دولة الملالي التي ستكون الثورة السورية نهاية لاستطالتها وعدوانها المستمر على الشعب العربي.
الوحدات الكردية الانفصالية
ينتقل الأكراد المنضوون تحت حزب العمال الكردستاني بين حضن الأسد والولايات المتحدة وروسيا في وعود واهية لإقامة مشروعهم الانفصالي في الشمال السوري ويطلعنا التاريخ القريب أن الأكراد عاشوا ذروة حياتهم السياسية، في منتصف القرن الماضي، إذ تمكنوا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، من إقامة جمهورية "مهاباد" الكردية في غرب إيران، بدعم مباشر من الاتحاد السوفيتي، الذي أراد أن يكون له حلفاء على الأرض في إيران، بغية الاستفادة من الثروة النفطية فيها، وحرمان بريطانيا منها وفي العام 1946، تشكلت جمهورية "مهاباد" الكردية، وعاصمتها مهاباد، بدعم دولي وسياسي واقتصادي من الاتحاد السوفيتي، وفي العام1947 حصل السوفييت على وعود إيرانية بإعطائهم امتيازات نفطية في إيران، وبكفالة أميركية – بريطانية، حينها تخلى السوفييت عن شريكهم الكرد، بعد تلك الامتيازات، فأوعزت روسيا لقواتها بالانسحاب من إيران، ليتبعها حملة عسكرية إيرانية قضت على الحلم الكردي، وقتلت أبرز الشخصيات الكردية "قاضي محمد" وحذفت الأكراد من القاموس السياسي الإيراني .
أيّ أن الروس تخلوا عن الأرض مقابل النفط، فبات الكرد حينها أداة للروس لتحقيق مكاسب دولية واقتصادية في إيران، انتهى دورهم بعد حصول الروس على وعود وامتيازات نفطية في مناطق مهاباد الغنية بالنفط. وهكذا يدخل حزب العمال الكردستاني في تحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم "الدولة" وإقامة قواعد عسكرية في مناطق نفوذه, واقترب من روسيا التي تستخدمه كورقة ضغط على تركيا, ولكن سرعان ما تخلى الروس عنهم تدريجيا في الصفقة السياسية الأخيرة مع تركيا في ظل صمت وتخلي الولايات المتحدة عن الأكراد الذين وصفتهم بالمرتزقة الذين يقاتلون لقاء دعمهم بالمال والسلاح إلى أن جاءت عملية "درع الفرات" بتحرير مناطق واسعة من الشمال السوري وقطعت الطريق على الانفصاليين الكرد, وجاء دعم الإدارة الأميركية الجديدة للوحدات الكردية في إطار استخدام الورقة الكردية إلى حين بلورة التقاسم الدولي وحرق هذه الورقة عند بطلان فاعليتها.
مناطق ترامب الآمنة ابتزاز إقليمي وخطوة نحو التقسيم
أعلن الرئيس الأميركي ترامب بأنه سيقيم "مناطق آمنة" في سوريا لحماية مَن وصفهم بالأشخاص الفارّين من العنف، ويتطلّب ما أعلن عنه ترامب قرار الأمم المتحدة، ما يعني أن إيجاد مثل هذه المناطق لن يتم إلا بفرض حظر جوّي أميركي.
في هذا الإطار، ترامب نفسه وفي خلال الحملة الانتخابية كان قد عدّ نية المرشّحة هيلاري كلينتون إقامة منطقة حظر جوّي في سوريا إنما هو مخطّط لإشعال حرب عالمية ثالثة
وأن إقامة "مناطق آمنة "في سوريا يحمل في طياته إمكانية اشتراك أكبر للجيش الأمريكي في النزاع الدائر هناك، بما في ذلك استخدام أكثر للقوة الجوية وقوات برية أمريكية أو من الدول الحليفة، وهي خطوة سبق وأن رفضتها وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون".
جاء الردّ من الكرملين أن أميركا لم تنسّق مع روسيا قبل الإعلان عن نيّتها إنشاء مناطق آمنة في سوريا. واعتبرت  موسكو أن على واشنطن التفكير في العواقب المُحتملة لإقامة هذه المناطق. 
وهذه الخطوة الأميركية تصب في الاستغلال المادي لدول الخليج التي من المفترض أن تموّل إنشاء هذه المناطق. كما أنها ورقة سياسية رابحة تحاول أن تساوم عليها أطراف الصراع السوري. لكن محاولة فرضها واقعاً يتعداها إلى ما هو أخطر في محاولة لإعادة إنتاج سايكس-بيكو في سوريا، قد يتخطّاها إلى دول مجاورة لاحقاً مما يؤشر على تقسيم سوريا داخليا, أو توزيعها على دول الجوار.
إن إعادة فرز المناطق في سوريا من خلال إنشاء مناطق آمنة بدرجة أولى لن يقتصر على الشمال، بل سيشمل مناطق الجنوب السوري المحاذية للأردن، وخصوصا تلك التي تسيطر عليها قوات "درع الفرات"، والمنطقة الخاضعة لسيطرة "الجيش الحر الجبهة الجنوبية" ،
وليست كل التصريحات التي يطلقها ترامب تنفذ بالضرورة, إذ يتطلب ذلك موافقة شريكهم الروسي ومباركة إسرائيل.
الصراع التركي مع الولايات المتحدة
تواجه تركيا صراعاً دمويا مع حزب العمال الكردستاني وشقيقه الآخر في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي, وفي ضوء الاستقطاب السياسي، والتوترات الاقتصادية، والتحالفات الطارئة، تتجه تركيا إلى مزيد من الاضطرابات.
وعلى الرغم من أن جذور الصراع مع الأحزاب الانفصالية الكردية محلية, فإن ما يدفع لتفاقم قلق أنقرة من وجود "حزب العمال الكردستاني" تحت مسميات مختلفة على حدودها الجنوبية ما حدا بتركيا إلى التدخل العسكري في شمال سوريا بالاشتراك مع "درع الفرات" السوري لدفع خطر تنظيم "الدولة" عن حدودها ومنع قيام كانتون كردي.
وتوترت العلاقات بين أنقرة وواشنطن بسبب الدعم الأميركي للقوى الانفصالية الكردية من جهة, وكذلك التصعيد العسكري التركي ضد القوات الكردية المدعومة أميركياً في سوريا من جهة أخرى, وأيضا دعوة تركيا واشنطن لترحيل المدبر للانقلاب الفاشل "فتح الله غولن" وعلى إثر ذلك توصلت أنقرة إلى انفتاح على موسكو، تزداد ملامحه من خلال التنسيق السياسي والعسكري فيما يخص العلاقات بينهما وبالأخص الشأن السوري. ودفع اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة البلدين إلى تقارب أكثر دراماتيكية.
وقللت أنقرة بشكل كبير من أهمية تحالفها مع واشنطن لذلك تسعى إلى إجراء ترتيبات مع روسيا يدعمها تفاهمات حول مصالحهما الجوهرية في المنطقة, ولعل التباعد بين أنقرة وواشنطن يتزايد مع إعلان الأخيرة دعم الوحدات الكردية الانفصالية في سوريا بالمركبات العسكرية الثقيلة, مما سيؤسس إلى تصادم المصالح بينهما حول الملف الكردي, رغم الإشارات الإيجابية من حكومة الرئيس ترامب التي لا يمكن له تجاهل حضورها كدولة إقليمية فاعلة في المنطقة.
خلاصة: مآلات المشهد السوري
تتسارع وتيرة الأحداث في المشهد السوري إثر تفاهمات دولية وإقليمية سبقها الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في العاصمة التركية (أنقرة) نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي،  وتمخض عنها مؤتمر "أستانا" بحضور أطراف الصراع وحلفائهم مع تباين في الرؤى الروسية الإيرانية حول شكل سوريا الجديدة وفق توافقات سياسية كبيرة يديرها الروس بموافقة ضمنية أميركية لرسم ملامح السيطرة والنفوذ وتوزيع الحصص مع المحافظة على استمرار وقف النار بغية الاستتباب الأمني لاستكمال المحاصصة بهدوء, نتيجة ارتهان بعض فصائل الثورة للإرادة الإقليمية والدولية.
ويبقى السؤال الكبير كيف يمكن لسورية الثورة المتابعة في طريق الحرية أمام هذا التشابك الإقليمي والدولي في أتون الخراب المدمر لغالبية المناطق السورية, عدا عن آلاف قضوا, ومثلهم في معتقلات الأسد, وأكثر من ثمانية ملايين مهجر بما فيهم شريحة واسعة من النخب السورية الوطنية؟.

مقالات ذات صلة

"وزير كهرباء النظام" يكشف عن اتفاقية هامة ستوقع خلال أيام

صعوبات بالحصول على تراخيص إعمار البيوت المدمرة بريف دمشق

العثور على جثةرجل مسن في عفرين (صورة)

"اتحاد الفلاحين" يكشف عن سعر جديد للذرة الصفراء

فرنسا تعيد امرأة وطفليها من "الهول"

إصابات بحوادث في إدلب وحلب