عسكر الثورة: أسباب الانكسار وعوامل النهوض

عسكر الثورة: أسباب الانكسار وعوامل النهوض
  • الخميس 18 آيار 2017

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

تمهيد
تناقش هذه الورقة سياسة خفض التصعيد في المناطق المحررة في إطار مخرجات مؤتمر آستانة كنتيجة لانكسار وعثرات الثورة وما حملته من مكاسب لنظام الأسد وروسيا وإيران. ونمهد لهذا النقاش باستعراض سردي وتحليلي موجز للظروف التي أحاطت بهذا الانكسار في بعده العسكري والسياسي, والإداري, وارتداداته على المشهد الثوري في المناطق المحررة.
ثم نتناول بالتحليل جوانب هذا الانكسار, أطرافا وخططا ونتائجا, ونقف على الأسباب العميقة في تعثر الفصائل المسلحة المناوئة لنظام الأسد, وتباينات المواقف بينها, واختلافات توجّهاتها ومصالحها, والدور الإقليمي والدولي في تشكيل الخارطة العسكرية, والسياسية عبر مؤتمر آستانة حيث حاولت موسكو الالتفاف على القضية السورية, وإخراج الملف السوري من أدراج الأمم المتحدة.
مقدمة
تنتقل حاضنة الثورة من صدمة إلى أخرى منذ سقوط مدينة حلب المحررة بيد قوات الأسد وميليشيات إيران الشيعية, تزامنا مع قصف جوي روسي لم يتوقف, وتتالت الصدمات إثر توسيع دائرة قضم المناطق المحررة في ريف دمشق ومحيطها وفي حي الوعر الحمصي وتهجير ثوارها وسكانها عبر اتفاقات محلية برعاية روسية, وتعثر الأعمال العسكرية الكبرى في ريفي حماة الشمالي ودمشق.
والذي زاد من صدمة جمهور الثورة تجاهل أمراء وقادة الفصائل ومعهم القادة السياسيون للمعارضة مواجهة الجمهور بشجاعة للوقوف على أسباب الانكسار ما عدا بعض التبريرات التي أطلقها عدد من القادة والتي لا ترقى إلى الحفر في الأسباب العميقة للكوارث المتراكمة على المستوى العسكري, وانعكاساتها على فئة السياسيين الذين انشغلوا في التحضيرات لمؤتمرات جنيف, ومواجهة المنصات الدخيلة على خط الثورة لخلخلة مطالبها واستحقاقاتها.
هذا الإرباك والتشظي, ازدادت هوته مع التدخل العسكري الروسي في العام 2015م, إثر الأخطاء التكتيكية التي أصر القادة العسكريون على ارتكابها, بينما كانت الميليشيات  الشيعية تعتمد خططا استراتيجية مغايرة, كالحصار الكامل للبلدات والمدن الثائرة وتحويلها إلى جزر يتم تجفيفها من ثوارها وأهلها بالقوة المسلحة قتلا وتدميرا وتشريدا, أو الناعمة عبر تهجير سكانها, وكذلك سيطرتها على كامل طرق الإمداد الواصلة بين المدن والقرى الثائرة المتباعدة, كالسيطرة على طريق خناصر نقطة الوصل بين مدينة حلب ووسط سورية, أو طريق مطار دمشق الدولي لاستمرار وصول التعزيزات الإيرانية, أو التوغل في ريفي حلب الشمالي والجنوبي لتطويق المدينة بعد سيطرتها على طريق "الكاستيلو", وكذلك استمرار عمل الطريق الواصل بين العاصمة دمشق ومدينة درعا.
هذه التطورات العسكرية جرت فصائل الثورة إلى الوقوع في أفخاخ وألغام الميليشيات الشيعية في التكتيك العسكري, ولم تتمكن من التقاط التوتر الإيراني الروسي في مراحل التحالف والتباعد والاختلاف, علاوة على الفشل العسكري, إذ دخلت الفصائل المسلحة في اشتباك بيني أدى إلى انهيارات كبيرة في الهياكل العسكرية لفصائل الثورة المسلحة.
فجاء مؤتمر آستانة كمحصلة لهزيمة حلب المدوية, وكانت مقدمته اتفاق أنقرة الذي نص على إجلاء سكان المنطقة المحررة من مدينة حلب لتبدأ الماكينة الروسية بالتعاون مع إدارة أوباما بعملية وأد الثورة في مقبرة آستانة, غير أن التغييرات في الإدارة الأميركية, ووصول الجمهوري دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة وضع حدا للمخطط الروسي وأربك حسابات كل الأطراف, لتأتي الخطوة الاستباقية من موسكو في تخفيف التصعيد قطعا للطريق أمام عزم واشنطن على إقامة مناطق آمنة, لتحتدم  المساومات الدولية في جنيف لاقتسام مناطق النفوذ بينما يتفرج عسكر وساسة الثورة على تقطيع أوصال وطن قدم مليون شهيد ومثلهم من المعتقلين وأضعافهم من المشردين, مما يدفع المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري إلى مراجعة نقدية لانكسارها, ورسم استراتيجية جديدة لمجابهة الميليشيات الشيعية عسكريا, والمخططات الدولية سياسيا.
الانكسار العسكري.. فشل فصائلي
لا يكتمل البحث في هذه القضية بالوقوف عند جزئيات الانكسار أو زوايا الصراع العسكري الفصائلي دون الحفر في عمقه وصميمه, لتتضح الصورة دون أن تطغى عليها التكهنات والافتراضات, لنكون وجها لوجه أمام اللوحة المتشظية في أسسها ونتائجها, فقد شكلت الانكسارات العسكرية المتتالية بعد خسارة مدينة حلب في قسمها المحرر, وما تلاها من معارك في ريفي دمشق وحماة, تزامنا مع عمليات التهجير المنظم, وتفاعلات مؤتمر الآستانة, دفعا قويا على شكل استقطابات حادة بين الفصائل المسلحة, وفي الطرف السياسي المعارض تفاقمت الهوة بين التيارات المتباينة, لتنشأ كيانات سياسية كالهيئة العامة للثورة السورية والمجلس الوطني السوري, وائتلاف قوى الثورة, وصولا إلى المنصات المختلفة والدخيلة على المعارضة, والصراعات الناشبة بين حق التمثيل في المؤتمرات الدولية من دونه, والاستقطابات الإقليمية التي لعبت دورا سلبيا على المستويين السياسي والعسكري، تعود أسبابه إلى: 
 غياب العمل الجمعي وتكريس حكم القادة
إن فشل الكيانات العسكرية الثورية والسياسية بالتوصل إلى برنامج عمل جماعي, يتعلق بطبيعة التكوين الاجتماعي للفرد السوري الذي عاش في ظل نظام قمعي استبدادي, أنتج على مدار سنوات, القائد الملهم والتاريخي والأول في كل شيء, في اجتثاث منظم لأي عمل جماعي على كافة المستويات السياسية والإدارية والاقتصادية, وبعد طرد نظام الأسد من غالبية المناطق السورية, وجد الثوار أنفسهم أمام مأزق كبير في إدارة المواجهة ضد الأسد وفي إدارة المنطقة المحررة دون امتلاك آلية العمل الجمعي المنظم في ظل غياب عمل مؤسساتي فكان الخيار الالتفاف حول الفرد وتكريسه قائدا, أو أميرا دون ضوابط تنقله إلى حيز العمل الجماعي, ليبرز عامل آخر متمم للفردية.

التشظي الفصائلي.. مقدمة للتناحر الدامي
انطلقت الثورة السورية بشقها العسكري بمسمى الجيش الحر براية واحدة وهدف مشترك, مقابل نظام الأسد وميليشيات الشبيحة, واستقطب الجيش الحر آلاف الضباط والعساكر المنشقين من كل مكونات المجتمع السوري, ومع انحسار مناطق نفوذ نظام الأسد, برزت أسماء كتائب ثورية تحت مسميات متعددة, وانحيازها عن عباءة الجيش الحر, مثل سرية الإسلام وكتائب الفاروق وأحرار الشام, وشهداء دوما والزاوية والدروع وجبهة النصرة, حتى تجاوزت أسماء الفصائل أكثر من 100 فصيل, فطال التشظي جسد الجيش الحر الذي انشق عنه ضباط شكلوا ما سمي بالمجلس العسكري ليحتدم الصراع بين قائد الجيش الحر العقيد رياض الأسعد, والعميد مصطفى الشيخ رئيس المجلس العسكري. لتبدأ عملية التناحر الفصائلي إعلاميا وسياسيا, وتنتهي بمواجهات دامية بين كتائب الفاروق وأحرار الشام للسيطرة على معبر باب الهوى, وتلاه صراعات فصائلية محلية كالصراع بين صقور الشام وشهداء سورية في منطقة جبل الزاوية, وبين جبهة النصرة وكتائب أخرى في درعا, يرافق ذلك حرب إعلامية فصائلية في أعقاب الخسائر في معارك ضد نظام الأسد والميليشيات الشيعية. وأعنف تلك المواجهات الصراع بين فتح الشام, ومجاميع الجيش الحر بعد خسارة حلب, وما شهدته غوطة دمشق بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن, وأحلاف كل منهما.
حروب الفتاوى ودور "الشرعيين" في تغذية الصراع الفصائلي
تضم هيكلية كل فصيل معارض "شرعيين" يقدمون فتاوى تخص فصيلهم, وطغى جدل شرعي متباين حول قضايا خلافية, أدت إلى اتساع هوة الشقاق وسفك الدماء, ولنا في ذلك مثلا: حملة درع الفرات والخلاف بين تجمع أهل العلم, الذي أفتى بتحريم القتال في "درع الفرات" في ظل الدعم التركي البري، والدعم الجوي الأمريكي الذي يقود التحالف الدولي في سوريا ضد تنظيم "الدولة", واتهمت الفتوى ثلاثة فصائل منضوية في "درع الفرات" بأنها تابعة للبنتاغون الأمريكي وهي "لواء المعتصم وفرقة الحمزة واللواء 51". بينما سبقت حركة أحرار الشام الإسلامية الفتاوى التي أصدرها تجمع أهل العلم, فأجازت القتال في ريف حلب الشمالي بدعم تركي ضد تنظيم "الدولة" لتحرير مناطق شمال حلب من سيطرة التنظيم, وكذلك سارع المجلس الإسلامي السوري إلى إصدار فتوى تؤكد "بأن القتال مع القوات التركية في عملية درع الفرات في الشمال السوري جائز شرعا"، موضحا في بيانه أن قتال تنظيم "الدولة" وميليشيا “PYD” مشروع ﻷنهما  صائلان معتديان، والاستعانة على قتالهم ورد صيالهم مشروعة مع العجز عن رد صيالهم الذي لا يزال مستمرا. وأكثر الفتاوى جرأة فتاوى شرعيي جيش الإسلام وفيلق الرحمن في غوطة دمشق نتيجة الخلاف الفكري المتمثل بتوصيف الجيش بالوهابية, ووصف فيلق الرحمن بالمبتدعة, مما أسفر عن سقوط مئات القتلى من الطرفين والتأسيس لعداوة مستديمة, كان حصادها سقوط أحياء برزة والقابون بيد قوات نظام الأسد. وبهذا تصدر شرعيو الفصائل مشهد التناحر بين إخوة السلاح والقضية بتسويغهم حكم التغلب والقهر. 

الدعم الخارجي المتباين وانعكاساته
تعاظم التدخل الإقليمي والدولي في الصراع السوري, بعد اصطفاف إيران الطائفي وميليشياتها إلى جانب نظام الأسد, ولم تخف السعودية وقطر وتركيا بتباين رؤاهم حول المشهد السوري, مساندتهم  للشعب السوري المناهض لبشار الأسد, وحاولت تلك الدول جمع تلك الفصائل المتشرذمة, ونجحت مؤقتا في تشكيل تكتل الجبهة الشامية, وغيرها من التكتلات العسكرية التي لم تلبث أن انفرط عقدها نتيجة الخلاف بين الداعمين وانعكاسات ذلك على الفصائل, كما لعبت غرف "الموم والموك" التي شكلتها دول أصدقاء سورية دورا بارزا في تعميق الهوة بين الفصائل بتحريضها ضد بعضها, واقتصر دعمها على أسلحة دفاعية متوسطة, ورغم الحاجة للأسلحة المضادة للطيران إلا أن الولايات المتحدة رفضت ذلك بحجة وقوعها بأيدي الجماعات الإسلامية المتطرفة. فالداعم الإقليمي وتحوله إلى لاعب أساسي في المشهد الفصائلي رسخ عملية التجزئة في خطوة امتلاك القرار الوطني المستقل.  
هذه الأسباب وغيرها كالغلو والتكفير, وشيوع مشاريع خارج الإطار الوطني للثورة, وغياب المرجعيات القضائية والقيادة المركزية الجامعة, كانت مقدمات لانهيارات وانكسارات عسكرية.

آليات النهوض والخروج من قمقم الفصائلية 
أمام مشهد تشظي المعارضة المسلحة في ضوء الصراع الدولي المحموم, وفي ظل التوافقات الروسية - الأميركية, والخلافات المستجدة على تشكيل المنطقة عبر جنيف وآستانة, يتوجب على فصائل الثورة تغيير أدواتها واستحداث أخرى تتناسب والتطورات القائمة المتمثلة بمحاولة اجتثاث الثورة السورية, وإعادة تدوير نظام الأسد, وذلك بالبحث عن خطوة استكمال إعادة هيكلة حقيقية للفصائل في جسم عسكري واحد كخطوة في اتجاه وحدوي, وهذه الخطوة لم تعد كافية, ولا بد من إيجاد صيغة عسكرية موحدة, وهي رغبة غالبية العناصر المنضوية تحت رايات الفصائل المختلفة في التوصل إلى جسم عسكري موحد يضم كبرى فصائل المعارضة المسلحة التي تشكل في حال اجتماعها ثلاث فرق عسكرية تملك عتادا مختلفا, ويتوجب قيام حوارات بين قادتها بهدف تشكيل عسكري جديد, للاندماج في جسد واحد, والاتعاظ من تجربة التشرذم والتشظي التي أضرت بالثورة أولا وبالفصائل ثانيا, وينبغي أن يتجاوز التشكيل الموحد تجارب فاشلة على هذا المستوى, إنما يعني الانصهار الكامل بعدده وعدته وذراعه العسكري ومؤسساته الناظم, وإداراته المتخصصة. بعيدا عن المرجعية العقائدية المؤدلجة والفكرية للفصائل, وإشراك جمهور الثورة في القرارات من خلال المجالس المحلية المنتخبة شعبيا, واعتماد نظام داخلي يحصر مهام الكيان العسكري في حماية الجبهات والابتعاد عن الأعمال المدنية, وإنتاج جيش وطني, يعتبر القاعدة الشرعية التي تضع نهاية حتمية لميليشيا نظام الأسد, اعتماداً على صيغة وطنية للحفاظ على الجمهورية العربية السورية, بجيش وطني حر, وعلم الاستقلال .
إن نجح قادة وأمراء الفصائل في تذليل العقبات السالفة والتوافق على المبادئ الوطنية الجامعة, فالكيان العسكري الذي تقوده هيئات مدنية وتخدمه وتحميه قوى عسكرية شعبية موحدة هو البديل السياسي لنظام الأسد القائم, وإن بقينا متخندقين ومختنقين بالفصائلية, فإننا نقف شهودا على نهش أحشاء وطننا بعد تقطيع أوصاله بين الأطراف الدولية والإقليمية, وهذا ما يحاك الآن في جنيف وآستانة.