اتفاق المدن الأربع.. طائفية معلنة وصفقات سرية

اتفاق المدن الأربع.. طائفية معلنة وصفقات سرية
  • الخميس 20 نيسان 2017

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)
مقدمة
يناقش هذا الملف اتفاق (المدن الأربع) "الزبداني ومضايا- كفريا والفوعة" بين "هيئة تحرير الشام وأحرار الشام" من جهة, وإيران من جهة أخرى, في عملية تغيير ديمغرافي مخالفة للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان بهدف تصفية الثورة السورية وتفريغها من مضمونها وتحويلها إلى حرب أهلية بأبعاد مذهبية.
ونسلط الضوء في هذا الملف على ظاهرة القريتين الشيعيتين كفريا والفوعة, وكيف تحولتا إلى حركة عسكرية دينية مذهبية ذات ارتباط مباشر بإيران والأحزاب الشيعية المنتشرة في لبنان والعراق, الذين توافدوا على القريتين كميليشيات مسلحة منذ السنة الأولى للثورة بدافع مذهبي مشترك سعيا لقمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لنظام الأسد, ويركز الملف على اتفاق البلدات الأربع انطلاقا من المحادثات التي رعتها تركيا بين حركة أحرار الشام في العام 2015م, وصولا إلى الاتفاق النهائي الذي رعته دولة قطر بين "هيئة تحرير الشام" والإيرانيين وما نتج عنه من عملية مقايضة مذهبية لم يعرف مثيلها تاريخ سورية الحديث.
ويتوقف الملف عند آلية تنفيذ هذا الاتفاق والعراقيل التي واجهته, وما تمخض عنه من تفجير حامية "جيش الفتح" ومهجري الفوعة وكفريا, مع التركيز على أسباب التفجير والرسائل التي بعثها نظام الأسد عبر سيارة أغذية الأطفال المفخخة, ويكشف الملف عن مصير البلدات الأربع بعد الاتفاق الجاري تنفيذه, حيث تسيطر ميليشيا "حزب الله" اللبناني على غالبية منطقة الزبداني وبلداتها في القلمون الغربي بريف دمشق، بعدما أجبرت أهلها على ترك منازلهم التي بات معظمها مهدماً، لتحويلها إلى مناطق نفوذ شيعية تابعة له لضمان خطوط إمداده العسكرية من دمشق إلى البقاع فالجنوب اللبناني, من خلال سياسة ممنهجة تقضي بملاحقة الخارجين قسرا, وذلك بإدراج أسمائهم أمام محكمة الإرهاب التابعة للأسد واستصدار قرارات تبيح مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة والاستيلاء عليها, فيما يبقى مصير الفوعة وكفريا مجهولا في المبادلة السكانية.

 الفوعة- كفريا.. معسكر إيراني في قلب إدلب
دأب الإيرانيون منذ حقبة الأسد الأب على تشكيل نواة كيان سياسي مؤدلج جامع للشيعة الإثنا عشرية ولواحقهم في سورية, وجذبهم إلى مؤسسات خيرية تغلبت على الأحزاب السورية المهترئة, لزجهم في إطار هوية مذهبية مصطبغة بتعاليم ملالي طهران, ومثلت الثورة السورية فرصة ثمينة للإيرانيين حيث أعلن غالبية الشيعة اصطفافهم خلف ملالي طهران الداعمين لنظام الأسد, وعبر أهالي القريتين الشيعيتين (الفوعة وكفريا) الواقعتين في ريف إدلب الشمالي الذين باتوا جزءاً من حركة عسكرية دينية مذهبية ذات ارتباط مباشر بإيران حيث توافدت الأحزاب الشيعية المنتشرة في لبنان والعراق إلى القريتين كميليشيات مسلحة منذ السنة الأولى للثورة بدافع مذهبي مشترك سعيا لقمع الاحتجاجات الشعبية المناهضة لنظام الأسد, فكان لهم دور أساسي في حشد أهالي القريتين وتعبئتهم مذهبيا مما جعلهم في خانة الشبيحة الموالين لإيران.
قامت ميليشيات الفوعة وكفريا باستغلال تواجد قوات نظام الأسد في مدينة إدلب, وامتلكوا أسلحة ثقيلة عبر رئيس جهاز المخابرات العسكرية العميد الشيعي نوفل الحسين وتحولت القريتان إلى معسكر ميليشياوي شيعي كبير يفرض أوامره على وحدات قوات الأسد, ويسطو على أسلحتهم ومعداتهم، فمارس بما يملك بمعزل أو بموافقة أجهزة مخابرات الأسد عمليات الانتقام من المجموع الأهلي المحيط بالقريتين, وشن هجمات منفردة على المناطق المحيطة حتى تمكن من التوغل في أراضي مدينة معرة مصرين وقطع الطريق الرابط بينها وبين إدلب, وكذلك الطريق الدولي الواصل بين معبر باب الهوى ومدينة إدلب لمسافة تقارب 10 كم.
يحرك الميليشيات المتواجدة في القريتين وقود مذهبي ثأري يستمد تفاعله من صراعات عقود الحقبة الأسدية, والحرب العراقية الإيرانية, حتى بلغ بهم الحال أن وصفوا كل جوارهم بالتكفيريين والدواعش والإرهابيين, واللافت أن المجموع الميليشياوي لكلا القريتين ليس بالحجم والأعداد الضخمة, وسيكتشف المخدوعون منهم وبهم أنهم مجرد وقود لعدوان إيراني مبيت.
إن ممارسات ميليشيا الفوعة وكفريا خلال السنة الأولى من الثورة وما قاموا به من عمليات قتل وخطف واعتقال وقصف مدفعي أنتجت ضغائن وجروحاً عميقة يستعصي على قادم الأيام طيها.
إزاء تلك الجراحات والضغائن وشيوع روح الانتقام والثأر, وما قامت به الميليشيات بكافة أشكالها من مذابح جماعية, وحمام دم استباح الشعب السوري نشأت فصائل الثورة المسلحة للدفاع عن النفس وحماية المظاهرات في مواجهة مسلحة أجبرت ميليشيات كفريا والفوعة على الطلب من إيران إيجاد مخرج لهم, فاستجابت إيران بإعطاء الأوامر لميليشيا "حزب الله" اللبناني بشن حرب مدمرة على البلدات الثائرة في الزبداني ومضايا التي أخضعها بالتعاون مع قوات الأسد لحصار مميت إلى حين التوصل إلى اتفاق عام 2015م عرف باتفاق (الزبداني- الفوعة) والذي تعرض لعراقيل متعددة نتيجة التلاعب الإيراني في هذا الملف مما أفضى أخيرا إلى تفريغ القريتين من سكانهما دون معرفة مصيرهما بعدما تقاذفتهما خطط الأسد والإيرانيين طيلة سني الثورة, وختمها الأسد باستقبالهم على طريقته الخاصة في منطقة الراشدين في حلب.
 مقايضة مذهبية
رعت تركيا في إسطنبول في آب عام 2015م مفاوضات بين إيران وحركة أحرار الشام الإسلامية, وقدم الطرف الإيراني استعداده لمبادلة الفوعة وكفريا بالإضافة لإدخال نبل والزهراء ضمن اتفاق التبادل في الشمال السوري مقابل تهجير كافة المناطق السنية المحيطة بدمشق.
رفضت حركة أحرار الشام ومعها جيش الفتح الطرح الإيراني, وأصدرت الحركة في 5 آب بيانا حذرت من خلاله انتهاج إيران سياسة التغيير الديمغرافي, وأعطت "جبهة النصرة" يومها أمرا بالهجوم على كفريا والفوعة تمكنت من خلاله من تقليص مناطق انتشار الميليشيات الشيعية المحيطة بالقريتين, مما اضطر إيران إلى التوصل للاتفاق المعروف بالزبداني الفوعة, في نهاية سبتمير أيلول عام 2015م. ونص الاتفاق على مايلي: تجميد الأعمال العسكرية في البلدات الأربع والمناطق المحيطة بها, الالتزام بوقف إطلاق نار كامل لمدة 6 أشهر, خروج مقاتلي الزبداني بسلاحهم الخفيف, ومعهم عائلات الزبداني التي نزحت إلى مضايا, إدخال المساعدات الإنسانية والطبية, إخلاء الحالات الحرجة بصورة مستمرة, السماح بإخراج الراغبين من الرجال والأطفال والنساء من الفوعة وكفريا شرط ألا يتجاوز عددهم عشرة آلاف, وإطلاق سراح 500 معتقل بينهم و325 امرأة و25 طفلا.
جاء التدخل الروسي العسكري في سبتمبر أيلول عام 2015م ليجمد الاتفاق بعد حملة جوية غطت الميليشيات الإيرانية في ريف حلب الجنوبي بهدف الوصول إلى القريتين الشيعيتين, ومع فشل الحملة الروسية الجوية وتقهقر الميليشيات الإيرانية, أبدت إيران رغبتها في إحياء الاتفاق فاتحة العام 2016م, مع تلاعب واضح بشروط الاتفاق مدعوما بغطاء جوي روسي, واختصر تنفيذ الاتفاق بإخراج الجرحى بعملية متزامنة إلى لبنان وتركيا, وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية, وتجميد كافة العمليات العسكرية في المناطق المشمولة بالاتفاق, وأبدى غالبية أهالي الفوعة وكفريا رغبتهم في البقاء ببيوتهم فأجبرتهم إيران على فعل ذلك.
مع ازدياد حدة التدخل الروسي العسكري في سورية وتحجيما للنفوذ الإيراني, استهدف الطيران الروسي في مايو/ أيار عام 2016م المناطق المشمولة باتفاق البلدات الأربع, فأوقف جيش الفتح تنفيذ بنود الاتفاق بشكل كامل مع عجز إيران السيطرة على الممارسات الروسية.
في الجولة التفاوضية الأخيرة برزت "هيئة تحرير الشام" كطرف مفاوض ولاعب سياسي كما هي لاعب عسكري ميداني بموافقتها على عملية التفاوض والالتزام بالشروط المنبثقة عن الاتفاق برعاية إيرانية- قطرية، مع تنفيذ بند سري في الاتفاق يتضمن تعهدا إيرانيا بإطلاق سراح قطريين مخطوفين من الميليشيات الشيعية في العراق مقابل ملايين الدولارات، وهذا ما لم توضحه "هيئة تحرير الشام" في بيانها الذي أصدرته بما يتعلق ببنود الاتفاق الذي نص على تثبيت وقف إطلاق النار يشمل القصف بكافة أشكاله الجوي والمدفعي وعمليات الاقتحام والاشتباكات لمدة تسعة أشهر في المناطق الآتية: "الفوعة، كفريا، بنش، مدينة إدلب، معرة مصرين، تفتناز، رام حمدان، زردنا، شلخ، طعوم ومدينة الزبداني، مدينة مضايا، جبل بلودان"، إضافة إلى مناطق جنوب دمشق: "يلدا، ببيلا، بيت سحم، التضامن، القدم، مخيم اليرموك"، مع السماح بإدخال المساعدات الإنسانية الغذائية والطبية لجميع البلدات المشمولة بهذه الاتفاقية بصورة دورية مدة وقف إطلاق النار, كما نص الاتفاق على أنه في المرحلة الأولى, يتم إخراج ثمانية آلاف من الفوعة وكفريا (6000 آلاف مدني، و2000 مسلح) بالتزامن مع إخلاء حوالي 3000مدني ومسلح من الزبداني، ومضايا، وجبل بلودان.
كما نص الاتفاق في المرحلة الثانية التي ستستكمل بعد شهرين إخراج العدد الباقي في الفوعة وكفريا ويقدر عددهم بثمانية آلاف مدني ومسلح مقابل إخراج الراغبين في الخروج من مخيم اليرموك ويقدر عددهم بحوالي ألف مدني ومسلح وإطلاق سراح ألف وخمسمئة سجين في المعتقلات وخمسمئة سجين من مناطق سيطرة المعارضة, ويتعهد "حزب الله" اللبناني بإخراج ألف معتقل من النساء ومن أهالي مناطق سيطرة المعارضة وألا يتم إعادة اعتقال المفرج عنهم على خلفية هذا الاتفاق مجدداً والسعي إلى حل مشكلة ٥٠ عائلة من مدينة الزبداني دخلوا إلى لبنان بطريقة غير قانونية مع السلطات المختصة في لبنان, والمساعدة على إيصالهم إلى مناطق سيطرة المعارضة عند دخولهم سورية.
 تفجير حامية جيش الفتح ومهجري الفوعة
انطلقت قوافل المهجرين من البلدات الأربع يوم الخميس الفائت في عملية المقايضة المذهبية, وتعثرت ليوم كامل بسبب إخلال الجانب الإيراني و"حزب الله" بشروط الاتفاق، وعدم التزامهم بإخراج 1300 مقاتل من ميليشيا الفوعة وكفريا مع الدفعة الأولى، حيث خرج 650 فقط من أصل 5000 شخص خلال أول دفعة. وخلال توقف الحافلات في منطقة الراشدين في الطرف الغربي من حلب دخلت سيارات عدة تحمل مواد غذائية من مناطق سيطرة نظام الأسد في حلب، وبعد 20 دقيقة من وصولها إلى الجهة التي تتمركز فيها الحامية التابعة لجيش الفتح والمسؤولة عن تأمين الحافلات انفجرت إحدى السيارات التي تحمل مواد غذائية بحسب ما أوردته مصادر إعلامية تابعة للأسد, فقتل على الفور أكثر من 30 عنصرا من "الفتح" على الأقل, بالإضافة إلى العشرات من مهجري الفوعة وكفرية، المتواجدين في منطقة الراشدين غربي حلب، استعدادا لعملية التبادل مع الوافدين من مضايا والزبداني العالقين حتى ذاك الوقت في منطقة كراج الراموسة جنوب حلب، الواقع تحت سيطرة الأسد.
وفي مشهد يطغى عليه الألم والحزن أثبت السوريون المناهضون للأسد في حادثة التفجير سمو الروح الوطنية المتطابقة مع شعارات الثورة, فلم يدوسوا على جرحى أهالي الفوعة وكفريا, ولم يلتقطوا صور سيلفي لجثثهم, إنما تداعى الإعلاميون والثوار والدفاع المدني لحملهم على الأكتاف وإسعافهم إلى مشافيهم, وتبرعوا بدمائهم للمحتاجين منهم, وعبروا لأهالي القريتين الشيعيتين أنهم مجرد وقود لحرب الأسد والإيرانيين ضد الشعب السوري.
رسائل تفجير الراشدين
تهدف الرسائل التي أرسلها الأسد عبر السيارة المفخخة التي تحوي أغذية الأطفال, للتغطية على جريمة الكيماوي التي ارتكبها طيرانه في خان شيخون, والإيحاء أنه ليس المجرم الوحيد في سورية من خلال اتهامه المعارضة بارتكاب هذه الجريمة, والقول للإيرانيين إنه لا يزال موجودا على الأرض, كما أنها رسالة من القوى الداعمة للأسد لسحب الملف السوري من أيدي الأطراف الإقليمية الفاعلة لصالح القوى الدولية (روسيا)، وإظهار عجز الإيرانيين والقطريين والأتراك في إنتاج تسويات محلية, وكذلك هي رسالة تنال من "هيئة تحرير الشام" التي تقدم نفسها كلاعب سياسي فاعل, كما أثبتت في معارك دمشق وحماة وحلب أنها فاعل ميداني لا يمكن تجاهله. وكذلك الرسالة هي خلط للأوراق.
وأوضحت الرسالة أن "هيئة تحرير الشام" لا تملك القدرة على اللعب سياسيا وميدانيا بمعزل عن باقي كبريات فصائل الثورة السورية, مما يتوجب على الهيئة التحالف معها, والبحث عن أبعاد إقليمية.

 مصير البلدات الأربع
تسيطر ميليشيا "حزب الله" اللبناني على غالبية منطقة الزبداني وبلداتها في القلمون الغربي بريف دمشق، بعدما أجبرت أهلها على ترك منازلهم التي بات معظمها مهدماً، لتحويلها إلى مناطق نفوذ شيعية تابعة له لضمان خطوط إمداده العسكرية من دمشق إلى البقاع فالجنوب اللبناني, من خلال سياسة ممنهجة تقضي بملاحقة الخارجين قسرا, وذلك بإدراج أسمائهم أمام محكمة الإرهاب التابعة للأسد واستصدار قرارات تبيح مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة والاستيلاء عليها, ويقوم "حزب الله" منذ اليوم الأول بالتضييق على الأهالي الرافضين للتهجير, ودفعهم لبيع أراضيهم وممتلكاتهم بعد تهديدهم بالملاحقات الأمنية وبهذه السياسة الممنهجة يضمن "حزب الله" تواجد مؤيديه في منطقة الزبداني حتى ولو تغير نظام الأسد بحجة امتلاك وثائق قانونية بملكية الأراضي .
" المخطط الذي سيطبق في بلدة مضايا سيتم من خلاله احتلال المنطقة وحرمان أهلها من العودة إليها وضمان امتداد الحزب وتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب سكان المنطقة الذين عانوا ما عانوه من جوع وقصف وحصار قضى على 325 شخص جلهم أطفال ونساء وشيوخ بسبب سياسات الحزب الاستيطانية"، وذلك بحسب الصحفي اللبناني فداء عيتاني المختص بشؤون حزب الله.
ولم تنص بنود اتفاق البلدات الأربع على المصير المنتظر لها والتي ستغدو بنهاية الاتفاق فارغة من أهلها بشكل كامل, بكل ممتلكاتها من المباني السكنية, والأراضي الزراعية الواسعة إثر أكبر عملية تغيير ديمغرافي مؤدلجة عرفها التاريخ السوري الحديث, ومن الواضح أن الجهات التي ستسيطر على البلدات الأربع هي (هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام في كفريا والفوعة) وفي الزبداني ومضايا يسيطر (حزب الله اللبناني وقوات الأسد), وكانت بنود الاتفاق تنص على "مقايضة" أهالي بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين بعائلات مضايا والزبداني السنية.
ومن المقرر بموجب اتفاق البلدات الأربع أن يتم على مرحلتين إجلاء جميع سكان الفوعة وكفريا بناء على المطلب الإيراني, مقابل خروج الراغبين من سكان مضايا والزبداني. وكان قد خرج في المرحلة الأولى 8000 شخص من الفوعة وكفريا وبعدما تعرضت قافلة المهجرين وحامية جيش الفتح للتفجير يوم السبت في حي الراشدين قرب حلب، وذهب ضحيته مئات القتلى والجرحى, تم تعليق الاتفاق لأسباب إجرائية متعلقة بما حدث, وقد أشارت مصادر مختلفة إلى أن أهالي كفريا والفوعة كما الزبداني ومضايا رفضوا الاتفاق والخروج من بيوتهم فتعرضوا لضغوط من قبل الإيرانيين أجبرتهم على التنفيذ.
لم يكن مصير المهجرين من كفريا والفوعة بأحسن حال من نظرائهم في مضايا والزبداني فقد وصلت الدفعة الأولى إلى مركز الإيواء في منطقة جبرين بالقرب من مطار حلب, فتم وضعهم في مستودعات كانت معدة كحظائر للحيوانات بعدما انتهى دورهم كورقة ضاغطة بيد الأسد, وعلاوة على ذلك قام بتفجير حافلاتهم للمتاجرة بدمائهم, وأبلغت أجهزة أمن الأسد أسر قتلى المعارك أنها ستنقلهم إلى مركز حسياء للإيواء جنوبي مدينة حمص, فيما ستبقى الأغلبية منهم مجهولة المصير ولسان حالهم يردد هذا ما جنيناه على أنفسنا بعدما صدقنا إيران والأسد.
ويبقى السؤال الكبير مفتوحا دون إجابة, هل ستكون كفريا والفوعة غنائم حرب للفصائل الموقعة على الاتفاق, أم سيقدمون منازل البلدتين إلى المهّجرين من مضايا والزبداني؟ والجدير ذكره أن غالبية الفعاليات المدنية الثورية رفضت عملية التغيير الديموغرافي, لمخالفة القانون الدولي لحقوق الإنسان ومبادئ الأمم المتحدة، والتي يفرضها الأسد وميليشيات إيران الطائفية مدعوماً بقوة الروس, وانعكس الرفض الشعبي في الفيديو الذي تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي لأحد القادة من الفصائل القائمة على تنفيذ الاتفاق، يتحدث لبعض الخارجين من أهالي كفريا والفوعة داخل الحافلة التي تقلهم في منطقة الراشدين، يطمئنهم فيها أن أملاكهم ومنازلهم ستعود إليهم بعد إسقاط نظام الأسد فالمشكلة مع الأسد ونظامه وليست مع أهالي البلدتين أو أي من السوريين.
 خاتمة
تتقن إيران وميليشياتها الشيعية وبالأخص "حزب الله" اللبناني معارك الحصار وفرض اتفاقيات التهجير التي مارستها في مناطق وادي بردى و القلمون الغربي والغوطة الغربية بعد تهجير غالبية تلك المناطق من مقاتليها وسكانها, ليأتي الإعلان عن اتفاق البلدات الأربع ليضمن طريق إمداد حزب الله اللبناني بعد عملية التغيير الديمغرافي.
وهذا الاتفاق يحاكي هدن الأسد السابقة وإن كانت بصيغة دولية, لتبقى استراتيجية "الاحتواء الناعم" أقل كلفة لمسعى للأسد في إخضاع المناطق الثائرة ضده بعد تفريغها من المعارضة المسلحة وتهجير أهلها للدخول في مفاوضات تكميلية متعرجة المسار برعاية أممية يحتوي بموجبها باقي المدن والبلدات الثائرة بالطريقة ذاتها التي اتبعها مع الفصائل التي غادرت مناطقها قسرا نتيجة للهدن, وتتيح الاتفاقية الأخيرة استمرار الأسد وميليشيات إيران في سياسة الحصار والتجويع للمدن والبلدات الثائرة, وهو مسعى روسيا في توسيع دائرة الصراع، وتنويع أدوات المواجهة، وزعزعة الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، كما أنّ حلفاء هذه الاستراتيجية، التي قضت على الآلاف من السوريين قتلا أو جوعا، ليست لديهم نية في التراجع عنها، خصوصاً الميليشيات الشيعية "الحرس الإيراني", والميليشيات العراقية والأفغانية و"حزب الله" اللبناني الذين يعتبرون الحرب الدائرة في سورية حرب معتقد ووجود، وقد عبّر قادة الميليشيات الشيعية عن ذلك مرات عدة وفي أكثر من مناسبة وقد شرعن لهم الاتفاق الجديد متابعة نهجهم في سياسة الحصار والتجويع لدفع باقي المناطق في محيط العاصمة دمشق للهدن الجزئية دون إطار العملية التفاوضية، أو تهجير أهلها لاستكمال عملية التغيير الديمغرافي التي عبرت عنها الاتفاقية الأخيرة التي عرفت باتفاق البلدات أو المدن الأربع.