صناعة "المتطرفين" لوأد ثورات الشعوب.. أوجه الشبه بين الربيعين الجزائري والسوري

صناعة "المتطرفين" لوأد ثورات الشعوب.. أوجه الشبه بين الربيعين الجزائري والسوري
  • الثلاثاء 10 كانون الثاني 2017

ميدل إيست آي – (ترجمة بلدي نيوز)
في شهر كانون الثاني، يكون مضى بالضبط 25 عاماً على قيام الجيش الجزائري بانقلاب لمنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS) من الفوز في أول انتخابات متعددة الأحزاب بعد استقلال البلاد.
وما كان يمكن أن يكون بداية لربيع الجزائري في وقت مبكر -قبل سنوات من أن يجرؤ أي شخص على الكلام عن الربيع العربي– بدلاً من ذلك أشعل حربا أهلية قاسية وقذرة لمدة عشر سنوات، فأصبح القتل والتعذيب والاختفاء وذبح قرى بأكملها شائعاً، وقتل ما يقدر بنحو 150،000 إلى 200.000 شخص في ما يعرف اليوم إلى حد كبير بـ" الفصل المنسي" من تاريخ الجزائر.
الربيع الجزائري
ولسوء الحظ، يحمل الصراع الجزائري بعض أوجه التشابه الكبيرة مع الأحداث التي تجري في العالم العربي منذ نهاية عام 2010، فعلى سبيل المثال، بدأ كل شيء بطريقة مشابهة جداً مع سلسلة من المظاهرات الحاشدة والمسيرات.
كما انخفض سعر النفط ودخل اقتصاد الجزائر في أزمة، ونزل الشباب المحبطين في البلاد في عام 1988 إلى الشوارع للاحتجاج ضد ارتفاع مستويات البطالة والفقر، هذا بالإضافة إلى الاعتقاد المشترك أن ثروات النفط والغاز الهائلة في البلاد لا تصل إلى جيوب المواطن العادي.
ورداً على الاحتجاجات، التي شهدت مئات القتلى، قامت جبهة التحرير الوطني (FLN)، الكيان السياسي الوحيد في الجزائر، بتعديل الدستور للسماح لانتخابات أحزاب متعددة للمرة الأولى منذ الاستقلال.
وهكذا، في عام 1989، ولدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي كانت متأثرة بجماعة الإخوان المسلمين، واكتسب الحزب بسرعة شعبية كبيرة، وأصبح أكبر حزب في الانتخابات البلدية في حزيران 1990 وفاز في الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية في كانون الأول 1991 مع ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم.
لكن الحزب الحاكم والذي كان على ارتباط وثيق مع الجيش، أصبح يشعر بقلق بالغ من احتمال فقدان السلطة والامتيازات. ولم يكن الوحيد الذي بدأ يشعر بالقلق!
دعم الغرب للحزب الحاكم
الأميركيون لم يكونوا مسرورين من المعارضة الصريحة للجبهة الإسلامية للإنقاذ لحرب الخليج الأولى، ولا موقفها المؤيد للفلسطينيين.
كما أن المستعمر السابق للجزائر "فرنسا"، والذي لا يزال لديه يد قوية في اقتصاد البلاد كان يشعر بقلق متزايد من خطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ للتخلص التدريجي من اللغة والثقافة والنفوذ الفرنسي.
ومن هنا، أعطت واشنطن وباريس الضوء الأخضر للجيش الجزائري يوم 11 كانون الثاني عام 1992 لإلغاء الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية، وإعلان حالة الطوارئ- وبعد شهرين، حُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ تماماً.
وعند رؤية الانقلاب المصري عام 2013 والحظر الذي حصل لاحقاً لجماعة الإخوان المسلمين، يبدو أن الجيش المصري لم ينس الربيع الجزائري الذي حصل في الماضي.
وقد أوضح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر ذلك في وقت لاحق: "نحن انتهجنا سياسة استبعاد الأصوليين المتطرفين في الجزائر حتى مع إدراكنا أن ذلك يخالف دعمنا للديمقراطية".
ودفع الشعب الجزائري ثمناً باهظاً من أجل حب أمريكا الانتقائي للديمقراطية، فبعد الانقلاب ألقي القبض على عشرات الآلاف من أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ والمتعاطفين معهم. وأولئك الذين لم ينتهي بهم المطاف في معسكرات الاعتقال في الصحراء، ذهبوا إلى المنفى أو حملوا السلاح.
ظهور الجماعة الإسلامية المسلحة الغامضة "GIA"
في البداية، سيطر على الصراع الحركة الإسلامية المسلحة (MIA)، التي تم ربطها مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ (FIS)، ولكن سرعان ما ظهرت الجماعة الإسلامية المسلحة الغامضة (GIA) والتي نشطت في الجزائر وحولها، وكان على رأسها الجماعات الإسلامية المسلحة التي ارتكبت أبشع الفظائع من قتل وقطع رؤوس، وكان ذلك يحدث بشكل منتظم في الجزائر قبل فترة طويلة من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (IS) وفيديوهاتها التي صدمت العالم من يوتيوب.
ومع أن اسمها إسلامي، من الواضح اليوم و بشكل مؤلم أن الجماعة الإسلامية المسلحة كانت مخترقة من قبل المخابرات الجزائرية، وقد اعترف عدد من ضباط المخابرات الجزائرية السابقين بذلك، وكان الهدف من ارتكاب الأعمال الوحشية إظهار الإسلاميين في البلاد في صورة سيئة، وكسر قاعدة دعمهم وإجبار الشعب الجزائري على تبني النظام باعتباره أهون الشرين- ويرى البعض أن النظام السوري، على الأقل إلى حد ما، قد لعب لعبة مماثلة مع تنظيم الدولة الإسلامية.
ويمكن للمرء أن يجادل بأن استراتيجية النظام الجزائري قد نجحت تدريجياً حيث انخفض العنف وانتهت الحرب مع مقتل آخر أمير في "GIA" عنتر زوابري في عام 2002.

إرث القمع

وما زال يحكم الجزائر مثلث يتألف من الخدمات العسكرية، جبهة التحرير الوطني والأمن، وعلى الرغم من رفع حالة الطوارئ في عام 2011، فهم الذين يقررون بشأن السياسات الرئيسية، والوظائف الشاغرة في البلاد ومناطق النفوذ.
وكمثال على الحالة العامة للشؤون في الجزائر هو أنه لسنوات عديدة كان الرجل الأقوى في البلاد الجنرال محمد توفيق مدين، رئيس قسم الاستخبارات والأمن (DRS) من عام 1990 حتى عام 2015، وكان له السلطة أن يقرر حياة أو موت أي شخص.
وفي الوقت نفسه، فإن الجزائر بالكاد تتحرك لصعود سلم الحرية، حيث فرضت عليها قيود مشددة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع، فقد اعتقل أحد الصحفيين في عام 2016 لاستجوابه صحة الرئيس بوتفليقة، وآخر لسؤاله عن الفساد.
كما أن الفساد مستشر في الجزائر، ففي عام 2010، اندلعت فضيحة سوناطراك حيث استخدمت شركة النفط المملوكة للدولة في الجزائر نحو 98 % من عائدات البلاد من العملات الأجنبية في رشاوى وعمولات لأشخاص على صلة لمن هم في السلطة.
ومع ذلك، حين واجهت دول مثل تونس المجاورة ومصر الثورات الشعبية، ظلت الجزائر في السنوات الأخيرة هادئة نسبياً، ويبدو أن مزيجاً من الإصلاحات السياسية في الحد الأدنى وزيادة في إنفاق القطاع العام فعل ما يكفي لإبقاء الناس سعداء وإبعادهم عن الشوارع.
والسؤال هو إلى متى؟ من حيث الحرية والتمثيل العادل والتوزيع المتساوي، لم يتغير أي شيء في البلاد منذ أواخر 1980، فكما الحال في أواخر الثمانينات، تحطمت أسعار النفط وتواجه الجزائر أزمة اقتصادية متنامية، فالصادرات في عام 2015 وصلت إلى النصف تقريباً، وانخفضت قيمة العملة المحلية ، في حين تضاعف العجز المالي، وارتفع معدل البطالة بين الشباب إلى ما يقرب من 30 %.
وإذا ما أجبرت السلطات على قطع بعض الإعانات الكثيرة التي تبقي الفقراء على أقدامهم، فإن احداث 1992 قد تبدو فجأة بسيطة مع ما يمكن ان يحدث الآن.